أنا ست عندي 5 أولاد… وعمري ما تخيلت إن حياتي ممكن تتقلب بالشكل ده. من فترة، جوزي اتجوز عليّا. حاولت أستحمل… مش علشانه، علشان عيالي. كنت بقول لنفسي: “أهو على الأقل موجود، والأولاد ليهم أب”. امبارح بقى… حصلت خناقة كبيرة. من النوع اللي بيبدأ بكلمة صغيرة ويقلب بحرب. الصوت عالي، والأولاد في الأوضة التانية ساكتين على غير عادتهم… كأنهم حاسين إن في حاجة كبيرة بتحصل. وفجأة… وهو متعصـ . ـب، بصلي وقال بكل برود: “إنتي طالق.”
الكلمة نزلت عليا كأنها حاجة تقيلة… مش بس وجع، كأنها كسرت حاجة جوايا مرة واحدة. الغريب؟ إنه بعدها بدقايق سابني ومشي على أوضته… وكأن مفيش حاجة حصلت أصلاً. وأنا فضلت واقفة في مكاني… مش قادرة أعيط، مش قادرة أتكلم، حتى مش قادرة أفكر. النهارده الصبح، صحيت على صوت الباب وهو بيقفل… عرفت إنه نازل. مش علشان شغله… لا. نازل يروح لمراته التانية. وأنا؟ قاعدة في نفس البيت… بنفس الأوضة… وسط هدومي وهدوم عيالي… كأني مش فاهمة أنا بقيت إيه دلوقتي.
لا قلت لأهلي… ولا حتى عارفة أقول. مش عايزة أمشي علشان عيالي… ومش قادرة أفضل كأن مفيش حاجة حصلت. فضلت طول اليوم أراقب كل تفصيلة حواليّا… الكوبايات في المطبخ، صوت عيال صغيرة بتضحك وبعدين تسكت فجأة، سرير فاضي جنبي… لحد ما الليل جه. وفجأة… سمعت صوت المفتاح في الباب. قلبي وقف لحظة. رجع. بس المرة دي… ماكنش لوحده. دخل… ووراها. مراته التانية. كانت واقفة وراه بخطوة، ماسكة شنطة صغيرة، وعينيها بتلف في البيت كأنها بتقيس المكان.
أنا اتجمدت مكاني. مش عارفة أتحرك ولا حتى أتكلم. هو دخل عادي جدًا… كأن دي حاجة طبيعية. قال بصوت هادي غريب: “دي هتبات هنا النهارده.” الجملة كانت بسيطة… بس معناها كان تقيل. بصيت له… يمكن يكون بيهزر، يمكن يراجع نفسه، يمكن يحس بأي حاجة. بس مفيش. نفس النظرة الباردة. مراته بصتلي نظرة سريعة… فيها حاجة بين الحرج والفضول… وبعدين بصت في الأرض. وأنا؟ كنت حاسة إني بقيت ضيفة في بيتي. أولادي خرجوا من الأوضة على الصوت… وقفوا يبصوا.
أكبرهم حاول يفهم، قال: “مين دي يا بابا؟” هو رد بسرعة: “دي مرات بابا.” الصمت اللي حصل بعدها… عمره ما حصل قبل كده في البيت. حسيت إن اللحظة دي كسرت حاجة في عيالي… مش بس فيا. قربت منهم، حـ ـ ـضنت أصغرهم، وقلت لهم يدخلوا أوضتهم. وهم مشوا… بس وأنا شايفة في عيونهم أسئلة أكبر من سنهم. رجعت أبص له… وقلت بهدوء غريب حتى عليّا: “إنت جايبها هنا ليه؟” قال ببساطة: “ده بيتي.” الكلمة دي… كسرت آخر حاجة جوايا.
“ده بيتي.” كأننا… أنا وعياله… بقينا مش جزء منه. وقتها حسيت إن في صوت جوايا بيقولي: لو سكتي دلوقتي… عمرك ما هتعرفي تتكلمي تاني. خدت نفس طويل… وحاولت أثبت صوتي: “وأنا كمان ده بيتي… وعيالك هنا.” هو سكت لحظة… وبعدين قال ببرود: “أنا طلقتك خلاص.” الجملة دي كانت المفروض تضعفني… بس العكس حصل. لأول مرة من امبارح… حسيت إني واقفة على رجلي. قلت له: “حتى لو… مش من حقك تجيب حد هنا بالشكل ده قدام عيالك.”
مراته بدأت تتوتر… واضح إنها مش مرتاحة. هو اتعصب: “انتي هتعلميني أعمل إيه؟” وقبل ما يكمّل… باب الأوضة اتفتح فجأة. ابني الكبير كان واقف. بس المرة دي… مش ساكت. بص لأبوه وقال بصوت مهزوز بس واضح: “لو هي هتفضل هنا… احنا هنمشي.” القلب بتاعي وقع. هو بص له مصدوم: “إيه الكلام ده؟” ابني رد: “إحنا مش مرتاحين.” اللحظة دي… كانت فاصلة. أنا كنت قدام اختيارين: أسكت تاني… أو آخد القرار اللي مكنتش متخيلة آخده. بصيت لعيالي… الخمسة.
وخدت قراري. دخلت الأوضة، جبت شنطة كبيرة، وبدأت ألم هدومنا. إيدي كانت بترتعش… بس كل قطعة هدوم كنت بحطها، كنت بحس إني برجّع جزء من كرامتي. هو فضل واقف مش مستوعب. “إنتي بتهزري؟ هتمشي فين؟” بصيت له، وقلت: “أي مكان… أحسن من هنا دلوقتي.” مراته كانت واقفة ساكتة… باين عليها مش قادرة تتحمل الموقف. عيالي بدأوا يساعدوني… حتى الصغير كان شايل لعبته وحاططها في الشنطة. بعد ساعة تقريبًا… كنا واقفين عند الباب. آخر مرة بصيت فيها على البيت… حسيت بوجع، بس مش ندم.
هو كان واقف… مش بيمنعنا… ومش بيقرب. بس قبل ما أفتح الباب… ابني الصغير شد في هدومي وسألني: “ماما… إحنا مش هنرجع تاني؟” سكت لحظة… وبصيت حواليا. البيت… الراجل… الذكريات… وبعدين بصيت له، وقلت بهدوء: “لا يا حبيبي… إحنا هنرجع… بس مش نفس الناس اللي خرجوا.” — نزلنا السلم في صمت. صوت خطواتنا بس هو اللي مسموع… وأنا حاسة إن كل درجة بننزلها، كأننا بنسيب وراها عمر كامل. وصلنا الشارع… الهوا كان بارد شوية، رغم إن الوقت مش متأخر قوي. يمكن علشان أول مرة أحس إني لوحدي بالشكل ده… من غيره.
وقفت لحظة، مش عارفة أروح فين. أهلي؟ هيسألوا… وهضطر أحكي… وأنا لسه مش قادرة أستوعب اللي حصل. بس ماكنش عندي رفاهية التفكير. ركبت تاكسي… وقلت للسواق عنوان بيت أهلي. الطريق كله، محدش فينا كان بيتكلم. عيالي نايمين على بعض… من التعب، من الصدمة… من كل حاجة حصلت فجأة. وأنا… عيني مفتوحة، بس شايفة شريط حياتي كله قدامي. كل مرة سكت فيها… كل مرة عدّيت علشان “العيال”… كل مرة قلت “معلش”. وصلنا. خبطت على الباب… قلبي بيدق أسرع من أي وقت.
بابا فتح… أول ما شافني، سكت. بص للعيال… للشنط… لشكلي. وقال جملة واحدة: “ادخلي.” من غير أسئلة… من غير تحقيق. دخلنا. ماما خرجت من أوضتها… أول ما شافتني حـ ـ ـضنتني، وساعتها بس… عيطت. مش علشان الطلاق. ولا علشان جوازي اللي انتهى. عيطت علشان أول مرة… أحس إني سيبت نفسي كل السنين دي. عدّت أيام. كنت زي اللي بيصحى من حلم تقيل. فيه ناس عرفت… وفيه كلام كتير اتقال… وفيه اللي قال “استحملي علشان العيال”، وفيه اللي قال “رجعي بيتك”.
وهو؟ ولا كأنه حصل حاجة. بعتلي رسالة بعدها بيومين: “انتي كبرتي الموضوع.” وقتها بس… ضحكت. مش ضحك فرح… ضحك استيعاب. استيعاب إن اللي كنت خايفة أخسره… ماكنش موجود أصلاً. بدأت أظبط حياتي… واحدة واحدة. قدمت لعيالي في مدارس قريبة من بيت أهلي. دورت على شغل… أي حاجة تساعدني أقف على رجلي. وفي يوم، وأنا برتب هدومي… لقيت خاتم الجواز. فضلت باصة له شوية. كم وعد… كم حلم… كم تنازل اتحط فيه. وبعدين… خلعته. وحطيته في علبة صغيرة… وقفلتها.
مش كره… ولا ندم. بس نهاية. بعد أسبوعين… سمعت خبر. مراته التانية سابت البيت ومشيت. السبب؟ مشاكل… نفس اللي حصلت معايا تقريبًا. وقتها ماحسّتش بشماتة. حسّيت بحاجة واحدة بس… إن المشكلة ماكنتش فيا. وفي يوم، ابني الكبير جه قعد جنبي وقال: “ماما… أنا زعلان إننا مش في بيتنا… بس مرتاح.” الكلمة دي… كانت كفاية. بصيت لهم… الخمسة. وحسيت إني رغم كل حاجة… كسبت. مش جواز… ولا بيت… كسبت نفسي. وفي الليلة دي، قبل ما أنام، أخدت قرار أخير.
مسكت الموبايل… وكتبتله رسالة. مسحتها. وكتبت تاني. وبرضه مسحتها. وفي الآخر… قفلت الموبايل خالص. لأول مرة… ماكنش عندي حاجة أقولهاله. لأن الحقيقة الوحيدة اللي بقت واضحة… إن اللي خرج من بيته وهو فاكر إنه كسب كل حاجة… ماكانش عارف إنه في نفس اللحظة… خسر العيلة الوحيدة اللي كانت مستعدة تستحمله.