منوعات

جوزي اتوفـ . ـي حكايات دنيا اشرف

جـوزي اتوفـى في حـادثة فجأة، ومن ساعتـها وأنا عايـشة بنص قلب… سايبـلي ولـدين صغيرين، وكل تفصـيلة في البيت لسه فيها ريـحته، حتى هدومه لسه زي ما هي… مش قادرة ألمـسها. كان حنين بطريقة مش طبيعية… من النوع اللي ممكن ينام من غير أكل عشان يجيبلي حاجة أنا محتاجاها. كل يوم بفتكره… وكل يوم بحاول أتماسك عشان عيالي. الغريب بقى إن ربنا عوضني بحاجة عمري ما كنت أتوقعها… أهل جوزي. من أول يوم بعد وفاته، ما سابونيش لحظة.

حمايا وحماتي كانوا دايمًا أول ناس تيجي لو واحد من الولاد تعب، أو لو احتجت أي حاجة… عمرهم ما حسسوني إني لوحدي. مع إن عندي معاش جوزي، ومكفيني الحمد لله… لكن هما اللي شايلين المسؤولية كأنهم أبوهم لسه عايش. على الناحية التانية… إخواتي. أول ما عرفوا إني باخد معاش، بدأوا يظهروا فجأة. واحد عايز سلف عشان عربية، والتاني عليه ديون، والتالت “مزنوق شوية”… ولما عرفوا إن الفلوس مش في إيدي وإن حمايا هو اللي ماسكها عشان مصلحتي ومصلحة العيال…

زعلوا. واختفوا. ولا مكالمة… ولا حتى “إزيك عاملة إيه؟” ومن ساعتها، وأنا بقيت شايفة الحقيقة قدامي بوضوح. ولادي بقوا معتمدين — بعد ربنا — على حمايا وحماتي. هما اللي بيجيبوا لبس العيد، هما اللي بيجهزوا رمضان، هما اللي بيسألوا كل يوم: “الولاد محتاجين إيه؟” لدرجة إني بقيت أتحرج… مرة حاولت أدي حمايا فلوس وأقولّه أساعد شوية… بصلي كده وقال: “دي فلوس عيالك… إنتي ما تمديش إيدك لحد.” وحماتي من وراه قالتلي: “خلي كلامه في ودنك… هو شايفك زي بناته.”

الموقف اللي كسرني بجد… في يوم كنت تعبانة ومش قادرة أنزل… مطلبتش من حد حاجة. بالليل لقيت خبط خفيف على الباب… فتحت، ملقتش حد. بصيت على الأرض… لقيت أكياس خضار وفاكهة مترتبة بهدوء. عرفت إنه هو. حمايا. نزل اشترى كل حاجة، وطلع حطها وسابها من غير ما يقول كلمة… ولا حتى مستني “شكرًا”. فضلت واقفة عند الباب شوية… مش عارفة أعيط ولا أبتسم. وقلت في نفسي: “ربنا يديمهم نعمة في حياتي…” بس من يومين… حصل حاجة غريبة.

كنت عندهم في البيت، وبحضّر الشاي في المطبخ… وسمعت صوت واطي جاي من الصالة. صوت حمايا… وكان بيتكلم في التليفون. وقفت مكاني لما سمعته بيقول جملة واحدة خلت جسمي كله يتجمد: #حكايات_دنيا_اشرف سيب كومنت بـ “تم” وصلي على النبي عشان يوصلك الجزء التاني والأخير فوراً! 🔥 أنا أرملة بقالي سنتين… وجوازي كان 9 سنين، بس كانوا بالنسبة لي عمر كامل. جوزي اتوفى في حـ ـادثة فجأة، وساعتها حسيت إن الأرض اتشالت من تحت رجلي. سايبلي ولدين صغيرين، وكل تفصيلة في البيت لسه بتفكرني بيه… صوته، هدومه، حتى طريقته وهو بيقفل النور قبل ما ينام.

كان حنين بشكل مش طبيعي… من النوع اللي ممكن يحرم نفسه عشان يرضيني. عمري ما طلبت حاجة إلا وكانت عندي قبل ما أطلبها أصلاً. بعد ما مشي… كنت متوقعة إني هنهار لوحدي. لكن اللي حصل كان عكس كل توقعاتي. أهل جوزي. من أول يوم، حمايا وحماتي ما سابونيش لحظة. كانوا سند بجد… مش بالكلام، بالفعل. لو حد من الولاد سخن، ألاقيهم واقفين على الباب. لو احتجت حاجة، تتعمل قبل ما أقول. مع إن عندي معاش جوزي، ومكفيني الحمد لله…

لكن حمايا أصر إنه هو اللي يدير الفلوس، وقاللي: “أنا شايف مصلحتكم أكتر… ودي أمانة في رقبتي.” في الأول اتوترت… بس مع الوقت فهمت إنه فعلاً بيعمل كده عشاننا، مش عشان حاجة تانية. على الناحية التانية… إخواتي. أول ما عرفوا بالمعاش، بقوا ييجوا كتير. طلبات، سلف، “محتاجينك في موقف”… ولما عرفوا إن الفلوس مش في إيدي، وإن حمايا هو اللي ماسكها… اختفوا. ولا حد بقى بيسأل… ولا حتى مكالمة. وقتها فهمت إن مش كل “أهل” بيبقوا أهل بجد.

الأيام عدت، وولادي كبروا سنة ورا سنة… وكل مناسبة كانت بتيجي، كنت بلاقي حمايا وحماتي واقفين جنبي كأنهم بيحاولوا يعوضوا غياب أبوهم. مرة حاولت أساعد مادياً… حطيت الفلوس في إيده. رجعهالي فورًا وقال: “دي فلوس عيالك… إنتي أمانة عندنا.” وحماتي كانت دايمًا تكرر: “إحنا ما فرقناش بينك وبين بناتنا.” الموقف اللي عمري ما هنساه… كنت تعبانة ومش قادرة أنزل. بالليل سمعت خبط خفيف… فتحت، ملقتش حد. بصيت تحت… لقيت أكياس خضار وفاكهة. عرفت إنه هو.

نزل اشترى كل حاجة، وطلع حطها ومشي في هدوء، من غير ما يحرجني أو يحسسني إني محتاجة. وقتها حسيت إن ربنا عوضني عن وجع كبير بناس قلوبها أحن. لكن… من يومين، حصلت حاجة غريبة. كنت عندهم، وبحضّر الشاي في المطبخ… وسمعت صوت حمايا بيتكلم في التليفون في الصالة. مكنتش ناوية أتنصت… بس جملة واحدة خلتني أوقف مكاني: “لا… هي لسه ما تعرفش حاجة… بس لازم أقولها قريب.” قلبي دق بسرعة. حسيت إن الكلام عليّا. فضلت واقفة، مش قادرة أتحرك.

وبعدين سمعته بيقفل المكالمة. رجعت كأني ما سمعتش حاجة، وقدمت الشاي بإيد بترتعش. كنت ببصله، وهو عادي جدًا… بيضحك مع الولاد كأن مفيش حاجة. رجعت بيتي وأنا دماغي مش مبطلة تفكير. يا ترى يقصد إيه؟ في حاجة مخبية عني؟ ولا أنا بفهم غلط؟ عدت ليلة… واتنين… وأنا مش عارفة أنام. لحد ما قررت… لازم أعرف. تاني يوم، روحت لهم بدري شوية. حماتي كانت في المطبخ، وحمايا قاعد لوحده في الصالة. قعدت قدامه، وسكت شوية… وبعدين قلتله بهدوء:

“بابا… هو في حاجة أنا مش عارفاها؟” بصلي… نظرة طويلة. حسيت فيها بتردد… وخوف. وبعدين قال: “كنتي سمعاني، صح؟” قلبي وقع… بس هزيت راسي آه. سكت ثواني… كأنه بيجمع كلامه. وبعدين قال: “أنا كنت مأجل الموضوع ده عشانك… وعشان الولاد… بس خلاص، لازم تعرفي.” إيدي بردت… وقلبي بيدق جامد. قال: “جوزك قبل ما يتوفى… كان عامل تأمين كبير باسمه… والتأمين ده اتصرف من فترة.” اتلخبطت… قلتله: “يعني إيه؟ أنا ما استلمتش حاجة.” قال بهدوء: “الفلوس اتحولت… لحساب باسمك.”

سكت شوية، وكمل: “بس الحساب ده… كان عليه وصاية مؤقتة… وأنا كنت المسؤول عنه لحد ما نضمن إنك مستقرة.” اتصدمت. “يعني حضرتك كنت ماسك فلوس باسمي؟” قال بسرعة: “أيوه… بس مش عشان أخبي… بالعكس، عشان أحافظ عليها.” كمل بصوت هادي: “المبلغ كبير… أكبر من المعاش بكتير. وأنا خفت لو عرفتي من الأول، الدنيا تضغط عليكي… أو حد يطمع فيكي.” سكت… وبعدين قال: “بس دلوقتي، خلاص. الفلوس كلها ليكي… وإنتي حرة فيها.” أنا كنت قاعدة… مش قادرة أتكلم.

كل حاجة بدأت تتجمع في دماغي. اختفاء إخواتي… إصراره يمسك الفلوس… دعمه المستمر… بصيتله وقلت: “طب ليه ما قلتليش من الأول؟” رد بهدوء: “كنت خايف عليكي… ومش عايز حد يستغلك.” ساعتها… حسيت بحاجة غريبة. مش غضـ ـب… ولا فرحة. راحة. راحة إن كل الشكوك اللي عدت عليا… طلعت غلط. وإن الراجل ده… اللي وقّف جنبي سنتين… كان بيحمي مش بس ولادي… كان بيحمني أنا كمان. قمت من مكاني… وقربت منه… ومسكت إيده. وقلتله: “أنا آسفة إني شكيت لحظة… وأشكرك إنك كنت سند بجد.”

ابتسم وقال: “إنتي بنتي قبل ما تكوني مرات ابني.” رجعت بيتي اليوم ده… وأنا حاسة إن الدنيا لسه فيها خير. مش كل الناس بتسيبك وقت الشدة… في ناس بتظهر وقتها، وتثبتلك إن الرحمة لسه موجودة. والأهم… إن العيلة مش بالدم بس. العيلة… هي اللي تقف جنبك من غير مقابل ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى