أبو ابني دخل بيتنا… بس مش لوحده، ده دخل وهو خطيب أختي! والأصعب من كده؟ إنه أنكرني قدام الكل… وقال إنه ما يعرفنيش ولا ليه أي عـ,ـلاقة بالطفل! طريقته وهو بينكر خلتني أشك في نفسي للحظة… هو أنا ممكن أكون غـ,ـلطانة؟ متلخبطة؟ بس لأ… ده هو. ده تامر. الراجل اللي ضحك عليّا، ووعدني بالجواز، وخلاّني أحمل منه… وبعدها اختفى كأنه فص ملح وداب. فجأة أختي انفجرت فيا وقالت بعـ,ـصبية: “أنا عارفة إنك متضايقة إني هتجوز قبلك… بس لو سمحتي ما تبوظيش يومي بالغيرة بتاعتك!”
عيني وسعت من الصدمة… عمري في حياتي ما غيرت منها. بالعكس، لما قالتلي إن واحد اتقدملها، كنت مبسوطة لها بجد. بابا اتدخل وقال لها بنبرة حازمة: “ما ينفعش تتكلمي مع أختك كده.” وبص لتامر وقاله: “إنت تمشي دلوقتي… وإحنا هنحل الموضوع ده بينا كعيلة ونرجعلك.” بس أختي زعقت وقالت: “الكلام ده مش هيحصل!” ومسكت إيد تامر جامد وقالت: “هو جاي يطلب إيدي… وده هيحصل النهارده!” بابا بص لها بدهشة وقال: “إنتي اتجننتي؟! طب فكرتي إزاي أختك عرفت اسمه تامر لو هما عمرهم ما اتقابلوا؟!”
ردت بسرعة: “عادي! ممكن شافته على السوشيال ميديا… أو من موبايلي!” بصيت له تاني… وأنا متأكدة مليون في المية إني مش بكـ,ـدب. ولما عيني جات في عينه… ابتسم ابتسامة مستفزة كلها غرور. ساعتها بس اتأكدت… أنا مش مجـ,ـنونة. ده تامر فعلًا… وبيمثل! بابا قال بحزم: “الشاب ده لازم يمشي حالًا.” وأختي ردت بعند: “وهو مش ماشي في حتة!” دي كانت دايمًا شخصيتها… جـ,ـريئة، وعنيدة، ومش بتخـ,ـاف من بابا. ماما اتعصبت وقالت وهي ماشية مع بابا:
“خلاص! بقى خلي نفسك الأب والأم وقولي له يعمل إيه عشان يتجوزك!” أختي بصتلي بنظرة نار وقالت: “إنتي ازاي قليلة الأدب كده؟! تتهمي خطيبي إنه أبو ابنك؟! ما تضغطينيش! إنتي اللي روحتي المصيف ورجعتي حامل! أنا عملت اللي إنتي ما عرفتيش تعمليه… وأنا هتجوز تامر غصب عنك!” قلبي تقيل… ونفسي اتخنق… والـ,ـدموع نازلة لوحدها. يبقى ده جزاء غلطتي… إني صدقت كلامه الفاضي. بصيت لتامر تاني… لقيته بيحرك شفايفه ويقول: “عيب عليكي.” لحظة… حسيت نفسي عايزة أجري عليه وأقطّعه بإيدي.
بس أختي وقفت قدامه، وبتبصلي وكأنها هتاكلني. رجعت لابني… كان نايم… حـ,ـضنته وفضلت أعيط في صمت. كله بسببي… أنا اللي صدقته. الليلة دي ما شفتش أختي. تاني يوم الصبح، صحيت جنب ابني… عنده ٦ شهور… كان لسه نايم. بس الغريب إنه كان هادي زيادة عن اللزوم امبارح. مديت إيدي ألمس حرارته زي كل يوم… بس… كان ساقع. وساعتها شفت حاجة خلت قلبي يقع… كان في رغاوي طالعة من بقه. ابني…!!! “مامااااا!!!” صـ,ـرخت وأنا شايلة ابني في حـ,ـضني:
“مامااااا!!!” ماما جريت عليّ من أوضتها، أول ما شافته اتجمدت مكانها، وبعدها صـ,ـرخت: “الحق ياااااااه!” بابا دخل بسرعة، ولما شاف حالته، شاله من إيدي وقال: “هاتوا العربية حالًا!” نزلنا جاري على أقرب مستشفى في المعادي، وأنا حـ,ـضناه وبعيّط بشكل هستيري: “ابني… ابني هيضيع مني!” الدكاترة خدوه بسرعة على الطوارئ، وقفلوا الباب في وشنا. وقفت برا… رجلي مش شايلاني… حاسة إن الدنيا كلها بتلف. دقايق عدّت… بس بالنسبة لي كانت سنين. لحد ما دكتور خرج… وشه مش مريح.
قال بهدوء: “مين أم الطفل؟” قربت منه وأنا برتعش: “أنا… ابني كويس صح؟!” بصلي نظرة صعبة وقال: “للأسف… الطفل اتعرض لتسمم.” اتجمدت. “تسمم؟! إزاي يعني؟!” قال: “في مادة دخلت جسمه… واضحة إنها حاجة مش طبيعية لطفل. إحنا بنحاول نلحقه.” وقعت على الأرض وأنا بصرخ. “مين يعمل كده في طفل؟! ده لسه رضيع!” بابا شد على إيدي وقال: “اهدي… لازم نعرف حصل إيه.” فجأة… دماغي اشتغلت. آخر حد كان في البيت… آخر حد كان زعلان مني…
آخر حد هددني… أختي. رفعت عيني وبصيت لبابا: “أختي كانت هنا امبارح…” ماما بصتلي بصدمة: “إنتي بتقولي إيه؟!” قلت وأنا دمـ,ـوعي بتنزل: “كانت متعصبة جدًا… وهددتني… وقالتلي ما أضغطهاش…” بابا ملامحه اتغيرت فورًا… وطلع موبايله واتصل بيها. لكن تليفونها كان مقفول. وفي اللحظة دي… باب المستشفى اتفتح. دخلت أختي… ومعاها تامر. أول ما شفتهم… الـ,ـدم غلى في عروقي. قومت جريت عليها ومسكتها من هدومها: “عملتي إيه في ابني؟؟؟!” صرخت وهي بتحاول تبعدني: “إنتي اتجننتي؟!” بابا زعق:
“قوليلنا الحقيقة!” اتلخبطت شوية… وبصت لتامر، وكأنها مستنية منه إشارة. بس المرة دي… تامر سكت. سكت… ومهربش بعينه. وده كان أول دليل. بابا قرب منه وقال بحدة: “إنت عارف حاجة؟!” تامر حاول يتكلم… بس صوته خرج مهزوز: “أنا… أنا ماليش دعوة…” لكن قبل ما يكمل… أختي انهارت. قعدت على الأرض وبدأت تعيط: “أنا مكنتش عايزة أموته!! أنا بس كنت عايزة أخوفها!!” الدنيا سكتت لحظة. قلبي وقف. “إنتي… عملتي إيه؟!” قلتها وأنا مش مصدقة. قالت وهي بتنهار:
“حطيتله حاجة بسيطة في الرضاعة… تامر قال إنها مش هتأذيه… بس تخليه يعيط ويتعب شوية… عشان تبطلي تتهِمينا…” لفّيت ببطء وبصيت لتامر… وشه كان أصفر. بابا فقد أعصابه ومسكه من هدومه: “إنت السبب!!!” تامر وقع على الأرض وهو بيقول: “أنا مكنتش أعرف إنها هتعمل كده بجد! كنت بهزر معاها!” ماما كانت بتصرخ: “ده طفل!!! مش لعبة!!!” وفي اللحظة دي… الدكتور خرج تاني. كلنا سكتنا. بص علينا وقال: “الطفل حالته حرجة جدًا… بس لسه فيه أمل. عملنا اللي نقدر عليه.”
وقفت مكاني… مش قادرة أتنفس. ساعات عدّت… وأنا قاعدة جنب باب العناية… بدعي… وأسترجع كل حاجة. كل غلطة… كل ثقة غلط… كل لحظة صدقت فيها واحد ما يستاهلش. لحد ما الباب اتفتح. الدكتور خرج… وبصلي. ثواني… بس كانت كأنها عمر كامل. وبعدين قال: “ابنك… عدى مرحلة الخطر.” وقعت على الأرض من كتر البكاء… بس المرة دي… دموع راحة. عدّى أسبوع… تامر اتحبس… واعترف بكل حاجة. وأختي… اتحولت للتحقيق… وكانت منهارة تمامًا. وأنا؟ رجعت بيتي… شايلة ابني… وبصيت له وهو نايم بهدوء.
مسكت إيده الصغيرة وقلت: “أنا غلطت… بس عمري ما هاسمح لحد يأذيك تاني.” قفلت الباب علينا… مش هروب… لكن بداية جديدة. نهاية موجعة… بس فيها درس عمره ما هيتنسي: مش كل حد قريب منك… آمن. ومش كل حب… حقيقي.
