أنا متجوزة بقالي 4 سنين… ٤ سنين كنت فاكرة إنهم أمان، بيت، وستر… لحد امبارح بس. امبارح، جوزي وقف قدام أهله وناس كتير… ومن غير أي مقدمات، طلقني 3 طلقات. أيوه كده… مرة واحدة، كأني ولا حاجة. قبل ما أستوعب حتى اللي بيحصل، لقيته بيجمع هدومي ويرميها في الشارع… والناس؟ واقفين يتفرجوا… وفيه اللي كان بيضحك كمان. أنا كنت واقفة مصدومة… مش قادرة أعيط حتى. بس أول ما استوعبت… انهرت. فضلت طول الليل بعيط، بس مش فاهمة أنا عملت إيه؟
كل اللي بيتقال إني “مخلفتش”… وكأن ده بإيدي. الموضوع كله بدأ من الفطار… أمه اتعصبت وقالتله: “متدخلش بيتي تاني وهي معاك” وهو… نفّذ. من غير ما يفكر، من غير حتى ما يدافع عني. بس الصدمة الحقيقية مش كانت في الطلاق… كانت في بابا. بابا جالي في نص الليل… قاعد يلم هدومي من الشارع بإيده، واحدة واحدة… وكل شوية يبصلي ويقول: “اهدي يا بنتي… أبوكي لسه عايش، ومش هسيبك.” صوته كان هادي… بس عينه كانت مكسورة بطريقة عمري ما شوفتها قبل كده.
أنا عارفة هو عمل إيه عشاني… الفلوس اللي كان بيحوشها سنين عشان يعمل عمرة… صرفها كلها على دكاترة وعلاج… عشان بس يشوفني مبسوطة ومعايا طفل. وأنا؟ ولا عارفة أحققله ده… ولا حتى قدرت أحافظ على بيتي. بقيت مش قادرة أبص في عينه… حاسّة إني خذلته، وضيّعت تعبه وسنين عمره على الفاضي. قعدت جنبه وأنا ساكتة… وهو برضه ساكت. وفجأة… تليفونه رن. بص في الشاشة، واتغيرت ملامحه فجأة… وبصلي وقال جملة خلت قلبي يقع من مكانه:
“الناس دي بتقول إن عندهم دليل يثبت إن المشكلة مش منك إنتي…” وساعتها… باب الشقة خبط. باب الشقة خبط. أنا وبابا بصينا لبعض… في لحظة صمت تقيلة، كأن الدنيا كلها مستنية اللي ورا الباب. بابا قام ببطء، ومسح على وشي بإيده قبل ما يتحرك، كأنه بيقوللي: “أنا هنا.” فتح الباب… كان فيه راجل وواحدة ست واقفين. شكلهم رسمي شوية، والست ماسكة ملف كبير. الراجل اتكلم بهدوء: “مساء الخير… إحنا آسفين إننا جايين من غير ميعاد، بس الموضوع مهم جدًا.”
بابا بصلي وبعدين قالهم: “اتفضلوا.” دخلوا وقعدوا، وأنا قلبي بيدق بسرعة رهيبة. الست فتحت الملف، وبدأت تطلع أوراق. قالتلي: “إنتي كنتي متابعة مع دكتور معين في موضوع الحمل، صح؟” هزيت راسي آه، وأنا مش فاهمة هم مين أصلًا. الراجل كمل: “إحنا من مركز التحاليل اللي كان الدكتور بيبعتك عليه… وفيه حاجة اكتشفناها متأخر.” بابا اتشد في مكانه وقال: “حاجة إيه؟” بصوا لبعض، وبعدين الست قالت بصوت واضح: “كل تحاليلك كانت سليمة… مفيش أي مشكلة عندك تمنع الحمل.”
أنا حسيت إني مش سامعة كويس. “يعني إيه؟” الراجل رد: “يعني المشكلة… مش عندك.” ساعتها، حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي. كل كلمة، كل نظرة اتهام، كل مرة اتقال عليا إني السبب… طلعت كدب؟ بابا سكت لحظة، وبعدين قال بصوت متقطع: “طب… إزاي؟! كنا بنروح لدكاترة… وكنا بنعمل تحاليل!” الست أخدت نفس عميق وقالت: “الدكتور اللي كنتوا متابعين معاه… كان بيعدل في التقارير.” أنا شهقت: “يعني كان بيكذب؟!” “للأسف… آه. فيه بلاغات اتقدمت ضده، واتفتح تحقيق. وإحنا بنراجع كل الحالات اللي اتعاملت معاه… وإنتي منهم.”
بابا حط إيده على رأسه، كأنه مش مستوعب. وأنا؟ كنت بين نــ,,ـــــارين… نــ,,ـــــار الوجع اللي عشته ظلــ,,ـــــم، ونــ,,ـــــار الحقيقة اللي ظهرت متأخر. “طب ليه؟!” سألت وأنا صوتي بيرتعش. الراجل قال: “فيه اشتباه إنه كان بيتفق مع عائلات معينة… عشان يضغطوا على الزوجة، أو يثبتوا إنها السبب… لأسباب مختلفة.” الكلام كان تقيل… تقيل أوي. بابا فجأة بصلي، وعينه مليانة دموع لأول مرة قدامي، وقال: “يبقى إنتي مظلومة يا بنتي… مظلومة!” أنا انفجرت في العياط… بس المرة دي مش زي الأول.
كان عياط فيه وجع… وفيه غضب. كل اللي حصللي… الإهانة، الطلاق، نظرات الناس… كان مبني على كدبة؟ الست سابتلنا نسخة من التقارير، وقالت: “إنتي ليكي حق قانوني… ولو حبيتي ترفعي قضية، إحنا هنكون شهود.” خرجوا، وسابونا في صدمة. عدت ليلة تانية… بس المرة دي، أنا ما نمتش من التفكير. كنت كل شوية أفتكر المشهد… وهو بيرميني في الشارع. أمه وهي بتبصلي باحتقار. الناس اللي كانت بتضحك. وفي المقابل… بابا وهو بيجمع هدومي بإيده. صحيت الصبح، وأنا لأول مرة حاسة بحاجة مختلفة…
مش ضعف… غضب. قمت، غسلت وشي، وبصيت في المراية. وشي كان باين عليه التعب… بس عيني؟ عيني كانت فيها حاجة جديدة. روحت لبابا، وقولتله: “أنا مش هسكت.” بصلي بهدوء، وقال: “وأنا وراكي.” بدأت الإجراءات… محامي، أوراق، شكاوى. القضية ضد الدكتور، وضد اللي تسببوا في اللي حصل. لكن الأهم… رفعت قضية على جوزي. مش عشان أرجعله… لكن عشان كرامتي. الخبر انتشر بسرعة… والناس اللي كانت بتضحك؟ بقوا هم نفسهم اللي بيتكلموا عن الظلــ,,ـــــم اللي اتعرضتله. أهله حاولوا يتواصلوا…
وأمه بعتت حد يقوللي: “إحنا مكانش قصدنا.” ضحكت ساعتها… أول ضحكة بجد من يوم اللي حصل. قصدكم أو لا… الأذى حصل. بعد فترة… جوزي بنفسه جه. واقف قدام بابنا… نفس المكان اللي أنا خرجت منه مكسورة. بابا فتحله… وأنا كنت واقفة وراه. بصلي… وكان واضح عليه الندم. قال بصوت واطي: “أنا غلطت… وعايز أصلّح.” أنا سكت شوية… وبعدين قربت خطوة. “تصلّح إيه؟” سألته وأنا ثابتة. “نرجع… نبدأ من جديد.” بصيتله… نفس الشخص اللي كسرني قدام الناس.
نفس اللي صدّق كدبة من غير ما يدافع عني. افتكرت كل لحظة وجع… وبعدين افتكرت حاجة أهم. إني بقيت أقوى. ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلتله: “أنا فعلاً هبدأ من جديد… بس من غيرك.” وشه اتجمّد… وأنا كملت: “اللي ما وقفش جنبي وأنا مظلومة… ما ينفعش يكون أماني وأنا قوية.” قفلت الباب بهدوء… المرة دي بإيدي. رجعت لبابا، لقيته بيبصلي بفخر… نفس العين اللي كانت مكسورة، بقى فيها نور. قعدت جنبه، ومسكت إيده. وقلتله: “مش كل الخسارة نهاية… في خسارة بتفوق الواحد.”
عدت شهور… والقضية خدت مجراها. الدكتور اتحاسب، وناس كتير ظهرت حقيقتها. وأنا؟ بدأت أشتغل، أعتمد على نفسي، وأرجع أبني حياتي خطوة خطوة. مش هقول إن الوجع اختفى… بس بقيت أعرف أتعامل معاه. وفي يوم… كنت واقفة قدام المراية تاني. بس المرة دي، شايفة واحدة تانية. واحدة اتكسرت… بس ما انتهتش. اتظلــ,,ـــــمت… بس قامت. خسرت بيت… بس كسبت نفسها. ويمكن… يمكن ربنا مأخرش الخير عني، بس كان بيبعدني عن شر أكبر. وأنا أخيرًا… فهمت ده.فهمت ده.