منوعات

جوز امي حكايات دنيا اشرف

جوز أمي ربّاني كأني بنته بعد ما أمي م,,اتت وأنا عندي ٤ سنين. يوم جنازته، راجل كبير في السن جه ناحيتي وقاللي: “لو عايزة تعرفي الحقيقة عن اللي حصل لأمك بجد، افتحي الدرج اللي تحت في جراج جوز أمك.” أبويا الحقيقي ساب أمي قبل ما أتولد. مشي وهي لسه حامل فيّ ومبصّش وراه خالص. “محمود” دخل حياتنا وأنا عندي سنتين. اتجوز أمي في هدوء، من غير فرح ولا دوشة. أنا أصلًا مش فاكرة حياتي من غيره… طول ما أنا فاكرة، هو كان موجود وخلاص.

وبعدين… أمي م,,اتت وأنا عندي ٤ سنين. دي الجملة اللي عايشة بيها طول عمري. محمود كان دايمًا بيقول إنها ح,,ادثة عربية. ليلة مطر… عربية نقل عدّت الإشارة وهي حمرا. كل حاجة حصلت بسرعة… ومكنش في حاجة تقدر تعملها. عمره ما غيّر القصة… ولا مرة. بعدها… بقى هو دنيتي كلها. كان بيحضّرلي سندوتشاتي للمدرسة، ويقعد في أول صف في أي مسرحية أشارك فيها. علّمني أركب عجلة، أغيّر كاوتش العربية، وأدافع عن نفسي من غير ما أأذي حد.

وأي حد كان بيسأله عني، كان يقول بكل بساطة: “دي بنتي” كأن مفيش كلام تاني يتقال. أنا عمري ما شكّيت في حبه… ولا لحظة. ولما تعب بعد سنين، نقلت أقرب له. ولما احتاجني، كنت جنبه. ولما م,,ات وهو عنده ٧٨ سنة… حسّيت إني فقدت الأب الوحيد اللي عرفته في حياتي. الجنازة كانت هادية ومحترمة… والناس كلها بتقولي إني كنت محظوظة بيه. بس ساعتها… راجل كبير أنا معرفوش قرّب مني. مقالش البقاء لله… ولا أي كلمة مواساة. قرّب وقال بصوت واطي، كأنه مش عايز حد يسمعه:

“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن اللي حصل لأمك… افتحي الدرج اللي تحت في جراج جوز أمك.” ومشي. وقفت مكاني متسمّرة… كلامه كان أعلى في وداني من صوت العزف اللي ورايا. ولما رجعت البيت بعد الجنازة… مقدرتش أقاوم نفسي. دخلت على طول على الجراج… وفتحت الدرج اللي تحت في الترابيزة. لو عايزة أكمل القصة، قولي “كمل” إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الدرج… كان مليان حاجات عادية: مفكات، مسامير، ورق قديم… بس في الآخر، لقيت علبة خشب صغيرة متقفلة.

وقفت لحظة… قلبي بيدق بسرعة غريبة. حاسّة إني لو فتحتها، حياتي كلها ممكن تتقلب. بس فتحته. جوه… كان في شوية صور قديمة، ومظروف أصفر، وكاسيت تسجيل قديم. بدأت بالصور. أنا وأمي… صور قليلة جدًا، بس فيهم حاجة غريبة. في صورة بالذات، أمي واقفة قدام عربية مكسورة… ومحمود واقف بعيد شوية، باصص لها بنظرة مش مفهومة. حسّيت بحاجة مش مريحة… بس قلت يمكن بتخيل. فتحت المظروف. كان فيه تقرير ح,,ادثة… بس مش زي اللي كنت أعرفه.

مكتوب فيه إن العربية اللي خبطت أمي كانت متسجلة باسم… محمود. إيدي ساقعت. إزاي؟! إزاي العربية تبقى باسمه وهو طول عمره بيقول إنها عربية نقل مجهولة؟ بدأت أتنفس بصعوبة… بس لسه في الكاسيت. شغّلته. الصوت كان مشوش في الأول… وبعدين سمعته. صوته. “أنا مش عارف هتسامحيني ولا لأ… بس أنا لازم أسيب الحقيقة ورايا.” اتجمّدت مكاني. “الليلة دي… أنا كنت سايق. كنت متعصب… اتخانقت مع أمك قبل ما تنزل. هي خرجت وهي زعلانة، وأنا ركبت العربية ومشيت وراها… كنت عايز أعتذر.”

صوته كان مكسور. “بس المطر كان شديد… وأنا فقدت السيطرة. خبطتها… أنا اللي خبطتها.” دموعي نزلت من غير ما أحس. “حاولت أنقذها… والله حاولت. بس كانت م,,اتت. خفت… خفت أخسرك. خفت تاخدوكي مني. بلغت عن الح,,ادثة كأنها عربية تانية، واستخدمت علاقاتي عشان الموضوع يتقفل.” سكت شوية… وبعدين كمل: “أنا عارف إني غلطت… وغلطتي دي هفضل شايلها طول عمري. بس أنا حبيتك بجد… من أول يوم. وكل حاجة عملتها بعد كده كانت عشانك.” التسجيل وقف. قعدت على الأرض… مش قادرة أستوعب.

هو السبب في م,,وت أمي… وهو في نفس الوقت الشخص اللي رباني… وحبني أكتر من أي حد. فضلت قاعدة ساعات… بين غض,,ب، ووجع، وحنين. افتكرت كل مرة وقف جنبي… كل مرة قال “دي بنتي”. كنت قدام حقيقة صعبة جدًا: الراجل اللي دمر حياتي… هو نفسه اللي بناها من جديد. تاني يوم… رجعت الجراج. مسكت العلبة… وبصيت لكل حاجة فيها… وبعدين قفلتها. مدفنتهاش… ومح,,رقتهاش. رجّعتها مكانها. وقفت وبصيت حواليا في البيت… بيته… اللي بقى بيتي. وقلت بصوت واطي:

“أنا مش مسامحة… بس أنا فاهمة.” ومن يومها… بقيت عايشة بحقيقتين: إن أمي اتاخدت مني ظل,,م… وإن اللي عمل كده، حاول يقضي عمره كله يصلّح اللي عمله. ويمكن… ده أقصى اعتراف ممكن آخده منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى