“أمي اختفت 10 سنين… ولما رجعت طلبت مني طلب واحد بس” أمي سابتنا وأنا عندي 12 سنة واختفت كأنها اتبخرت. لا رسالة… لا رقم… ولا حتى سبب. كبرت وأنا شايلة جوايا وجع وغضب… كل مرة حد يسألني: “مامتك فين؟” كنت ببتسم ابتسامة مصطنعة وأقول: “مسافرة”… بس الحقيقة إني ماكنتش عارفة هي عايشة ولا ميتة. لحد الليلة دي. الساعة كانت داخلة على 2 الفجر… والدنيا هادية بشكل غريب… وفجأة… خبط على الباب. مش خبط عادي… كان سريع… متوتر… كأن اللي برا بيخبط وهو مرعوب.
قلبي وقع في رجلي… قمت أفتح… وأول ما الباب اتفتح… اتجمدت مكاني. كانت أمي. بس مش أمي اللي فاكرها. وشها شاحب… عينيها غرقانة خوف… هدومها مبهدلة… وإيديها بتترعش. بصّت لي كأني آخر أمل ليها، وقالت بصوت مكسور: “أنا محتاجة منك حاجة واحدة… ولو ما عملتيهاش، كلنا هنم.وت.” دخلت بسرعة وقفلت الباب وراها، وفضلت تبص حواليها كأن في حد بيراقبنا. أنا كنت واقفة مش مستوعبة… 10 سنين اختفاء… وترجع تقول كده؟ قلت لها وأنا بحاول أتماسك:
“إنتي كنتي فين؟! وإيه اللي بتقوليه ده؟!” مسكت إيدي بقوة… قوية زيادة عن اللزوم… وقالت: “مفيش وقت أشرح… لازم تثقي فيا المرة دي بس.” سكتت لحظة… وبعدين قربت مني وهمست: “تحت السرير بتاعك… في صندوق خشب صغير… أنا خبّيته قبل ما أمشي.” قلبي بدأ يدق أسرع… أنا عمري ما شوفت صندوق هناك. كملت وهي بتبلع ريقها: “هتفتحيه… وهتلاقي جواه حاجة… أوعي حد يشوفها… أوعي حتى تبصي فيها لوحدك.” قلت لها بتوتر: “طب ليه؟!” ردت بسرعة وهي بتبص ناحية الباب:
“لأنهم بيدوروا عليها… ومن ساعة ما خرجت من عندي… وهم عارفين إني جاية هنا.” في اللحظة دي… النور قطع. البيت كله غرق في ظلام مفاجئ. وأمي شدّت إيدي أكتر وهمست بصوت مرعوب: “هم وصلوا…” وقبل ما أستوعب… سمعنا صوت خبط تاني على الباب… بس المرة دي… كان أبطأ… أتقل… وكأن اللي بيخبط… عارف إننا جوه. وأمي قربت مني وقالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: “لو فتحتي الباب… مش هتكوني إنتي اللي بتفتحيه.” … وأنا وقتها بس فهمت،
إن رجوع أمي ماكانش نهاية الغياب… ده كان بداية الكابوس. “أمي اختفت 10 سنين… ولما رجعت طلبت مني طلب واحد بس” (النهاية) الخبط على الباب فضل مستمر… ببطء… بثقة مرعبة. وأمي كانت بتترعش وهي ماسكة إيدي، وبتبص ناحية أوضتي. همست: “الصندوق… بسرعة.” رحت أوضتي وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني. ركعت على الأرض… وبصيت تحت السرير… وفي فعلاً… كان فيه صندوق خشب صغير… قديم… عليه خدوش كأنه متشال ومتحط كتير. سحبته بإيدي المرتعشة… والخبط برّه زاد شوية…
“افتحي…” صوت راجل… هادي… بس مخيف بطريقة غريبة. رجعت لأمي وأنا شايلة الصندوق، وقلت لها: “إيه ده؟!” بصّت له كأنها شايفة كابوس، وقالت: “ده الحاجة اللي بسببها اختفيت… واللي خلتهم يفضلوا ورايا 10 سنين.” قلت لها بعصبية: “طب نعمل إيه؟!” قالت بسرعة: “اكسرِه.” استغربت: “نكسّره؟ مش عايزة أعرف فيه إيه؟!” صرخت فيا لأول مرة: “لااا! أوعي تفتحيه!” في اللحظة دي… مقبض الباب بدأ يتحرك لوحده. ببطء… صوت حديد بيحتك… وكأن اللي برّه عنده مفتاح… أو مش محتاجه أصلاً.
أمي شدّتني ناحيتها وقالت: “لو الصندوق اتفتح… هما مش بس هيلاقوه… هما هيلاقونا إحنا كمان.” قلبي كان بيدق بجنون… بصيت للصندوق… وبعدين للباب… وفي لحظة قرار… رميت الصندوق على الأرض بكل قوتي. اتكسر. صوت الخشب وهو بيتحطم ملأ المكان… وسكت كل حاجة. الخبط وقف. صوت الباب اختفى. حتى الهوا… وقف. بصّيت على اللي جوه الصندوق… وكنت متوقعة أي حاجة… ورق… فلوس… سر كبير… بس اللي شوفته… كان صورة. صورة قديمة… ليا وأنا عندي 12 سنة…
واقفـة قدام نفس البيت… بس… مش لوحدي. كان فيه حد واقف ورايا. وشه مش باين… ملامحه مش واضحة… كأن الصورة نفسها رافضة تبيّنه. رفعت عيني ببطء ناحية أمي… لقيتها بتعيط. وقالت بصوت مكسور: “أنا ما اختفيتش عشان أهرب… أنا اختفيت عشان كنت بحاول أحميك.” همست: “من إيه؟” ردت وهي بتبص للصورة: “منه.” وفجأة… سمعنا صوت من ورايا مباشرة… جوه الأوضة: “متأخرة أوي…” اتجمدت مكاني… وببطء… لفيت وشي… ولأول مرة… شفت نفس الشخص اللي في الصورة.
واقف ورايا… نفس الطول… نفس الوقفة… بس المرة دي… وشه كان واضح. وكان… نسختي أنا. ابتسمت… نفس ابتسامتي بالظبط… وقالت بصوتي: “أنا كنت مستنياكي تفتحيه.” أمي صرخت: “اجرييي!” لكن قبل ما أتحرك… الإضاءة رجعت فجأة. والأوضة بقت فاضية. مفيش حد. بصّيت حواليّا… وأنا بنهج… بصّيت لأمي… ملقتهاش. اختفت. كأنها عمرها ما كانت هنا. رجعت بصّيت على الأرض… الصندوق… مفيش. الصورة… مفيش. بس كان فيه حاجة واحدة بس… مراية الأوضة. قربت منها ببطء… وبصّيت لنفسي… كنت أنا.
بس… ابتسامتي… ماكنتش بتاعتي.