منوعات

حكايات سلفى ل رومانى مكرم

كانت واقفة ومعاها جالون بنزين.
بصت لي بعيون ميتة وقالت
البيت ده لازم يتطهر يا هناء. الشر اللي زرعته هنا لازم يتحرق.. اطلعي بره.
وبدأت تدلق البنزين في كل حتة، على السجاد، على الستاير، وعلى الأخين اللي بيخلصوا على بعض في الأرض.
حسام صرخ فيا اجري يا هناء! مريم في العربية بره مع الإسعاف.. اجري وعيشي حياتك!
جريت وأنا سامعة صوت عود الكبريت وهو بيولع.. وصوت ضحكة كريم المرعبة وهي بتختلط بصراخ حماتي.
طلعت الشارع، المطر كان لسه بينزل، وشفت عربية الإسعاف فعلاً واقفة بعيد.

جريت عليها وفتحت الباب، وشفت بنت وشها شاحب جداً بس ملامحها هي ملامحي.. مريم.
بصت لي بضعف وابتسمت وقالت كلمة واحدة
هناء..
وقبل ما أرد عليها، انفجار هز المنطقة كلها.. بيت كريم بقى كتلة ن .ار وسحاب أسود مالي السما.
وقفت وأنا ماسكة إيد مريم، وببص للن .ار وهي بتاكل كل الأسرار والجروح.. بس فجأة، لمحت خيال حد خارج من وسط الدخان من الباب الخلفي للبيت.. حد طويل، وماشي بخطوات ثابتة، ومستني اللحظة اللي الدنيا تضلم فيها أكتر عشان يختفي.
هل ده حسام؟ ولا كريم قدر يهرب؟

الخيال اللي كان خارج من الدخان مكنش مجرد شخص هربان، ده كان كاب .وس جديد بيبدأ. الشخص ده وقف بعيد، تحت عمود نور مطفي، وبص ناحية عربية الإسعاف اللي أنا فيها. المطر غسل الرماد اللي على وشه، ولثانية واحدة شفت ملامحه.. كان حسام.
بس مكنش حسام اللي أعرفه. مكنش الشخص اللي دافع عني في المطبخ. كانت ملامحه باردة، خالية من أي وجع أو شفقة، وكأنه ساب إنسانيته جوه الن .ار مع أخوه وأمه. شاور لي بإيده إشارة غريبة، كأنه بيودعني، واختفى في وسط البيوت الضلمة.
عدى أسبوع على الح .ادثة.

القاهرة كانت لسه بتتكلم عن بيت الرعب اللي ولع في نص الليل. مريم كانت في المستشفى، الدكاترة قالوا إن حالتها صعبة بس مستقرة، السموم اللي كريم كان بيحقنها بيها كانت بتدمر أعصابها بالراحة، بس هي كانت أقوى منه.. كانت بتتمسك بالحياة عشان شافتني.
أنا كنت قاعدة جنبها، ماسكة إيدها، لما دخل عليّ ضابط المباحث اللي ماسك القضية. وشه كان عليه علامات الحيرة.
قالي بهدوء مدام هناء.. إحنا لقينا جثـ,ـتين في البيت. ج .ثه الست الكبيرة حماتك، وج .ثه تانية متفحمة تماماً في المطبخ، التحاليل أكدت إنها ل كريم.
سألته برعشة وحسام؟

الضابط سكت شوية وبعدين طلع كيس بلاستيك فيه سلسلة مكسورة لقينا دي جنب ج .ثه كريم، بس ملقيناش أي أثر لحسام. التحقيقات بتقول إن حسام كان مخطط لكل ده من سنين. الورق اللي هو قاله لك عليه، ورق الورث.. اكتشفنا إنه مكنش باسم كريم، ده كان متزور باسم حسام من الأول!
وقعت من طولي. يعني إيه؟ يعني حسام هو اللي كان مسيطر؟
الضابط كمل حسام مكنش ضحية يا مدام هناء.. حسام وكريم كانوا في حـ,ـرب على مريم وعلى فلوس أبوهم. كريم كان عايز مريم عشان الهوس وشبهها ب نور، أما حسام..

فكان عايز مريم عشان هي الوحيدة اللي عارفة الرقم السري لحسابات أبوهم اللي في سويسرا، لأن مريم كانت السكرتيرة الخاصة بتاعة أبوهم قبل ما يختفي.
بدأت الدنيا تدور بيا.. يعني أنا كنت مجرد طعم في لعبة بين أخين، واحد مريض نفسي والتاني شيطان بوش ملاك؟
بصيت لمريم وهي نايمة، حسيت بالخوف. هل مريم فعلاً بريئة؟ ولا هي كمان جزء من اللعبة؟
فجأة، مريم فتحت عينيها ببطء. بصت لي ونطقت بصوت واطي جداً
هناء.. حسام جه هنا.
قلبي دق بعن .ف إمتى؟ وازاي؟
قالت وهي بتعيط جه في حلمي..

وقالي إن الأمانة لسه معاه، وإنك لازم تدوري في شنطة القميص اللي كنت بحمّيه فيه أول يوم.. القميص اللي كريم حرق نص البيت عشان يلاقيه.
افتكرت القميص.. أنا مكنتش رميته، أنا كنت حطاه في غسالة الهدوم في اليوم المشؤوم ده، والغسالة كانت في المنور بعيد عن الن .ار!
جريت على البيت المهدم. المنور كان لسه سليم رغم الرماد. فتحت الغسالة القديمة، وطلعت القميص المبلول.. وبدأت أدور في الجيوب.
لقيت فلاشة صغيرة جداً، متغلفة ببلاستيك عشان المية.
وصلتها بالموبايل بتاعي وأنا بترعش.
ظهر فيديو.. متصور بكاميرا خفية في أوضة حسام.

في الفيديو، شفت كريم وهو بيبكي قدام حسام المشلول وبيقوله أنا تعبت يا حسام.. خلينا نرجع مريم لأختها ونخلص، أنا مش قادر أكمل في اللي إنت بتطلبه مني!
وحسام، المشلول، قام وقف على رجله بكل برود، وض .رب كريم بالقلم وقال له إنت هتكمل يا كريم.. هتكمل لحد ما هناء تثق فيك تماماً، ولحد ما مريم تنطق بمكان الفلوس. إنت مجرد الواجهة اللي الناس بتكرهها.. وأنا الضحية اللي الكل بيعطف عليها. كمل تمثيلك يا أخويا.. عشان النهاية قربت.
الفيديو خلص.. وأنا حسيت إن روحي بتتسحب مني.
حسام هو اللي كان بيدير كريم!

هو اللي كان بيخليه يعذبه قدامي عشان أنا أصعب عليه وأساعده!
وفي اللحظة دي، حسيت بنفس حار ورا ودني.. وصوت همس أعرفه كويس
شوفتي يا هناء؟ الحكاية دايماً ليها وشين.. وإنتي اختارتي تصدقي الوش اللي بيعيط.
لفيت ببطء.. وكان حسام واقف ورايا، بس المرة دي لابس بدلة غالية جداً، وشايل في إيده شنطة سفر.
دلوقتي يا هناء.. قدامك اختيار واحد. تاخدي مريم ونمشي من هنا للأبد، ونعيش بالفلوس اللي كريم دفع عمره تمن ليها.. يا إما

أسيبك هنا للرماد، والبوليس هيفتكر إنك شريكة في كل اللي حصل.
حكايات رومانى مكرم
وقفت مكاني والذهول شلّ حركتي، ببص للفلاشة اللي في إيدي ولبدلة حسام الغالية ونظرة عينه اللي مفيش فيها ذرة ندم. الحقيقة كانت أبشع من الخيال؛ البيت ده مكنش سج .ن لحسام، ده كان مسرح هو المخرج فيه، وكريم مكنش أكتر من ممثل بياخد أوامره بالوجع.
الجزء الثامن والأخير سجل المواليد
حسام قرب مني خطوة، ومد إيده يمسح رماد من على كتفي بحنية مزيفة
هناء.. العالم ده مبيحترمش الضحايا، بيحترم اللي بيعرف يقلب الترابيزة.

كريم كان ضعيف، كان بيحب نور بجد لدرجة خلته يصدق إن مريم هي البديلة، وأنا استغليت ده. استغليت جنونه عشان أحمي الفلوس.. وعشان أجيبك هنا.
قلت له بصوت مكسور وعلشان تجيبني أنا؟ ليه؟
ضحك ضحكة هادية وقال
عشان إنتي البراءة اللي كنت محتاجها عشان الصورة تكمل. مين هيشك في أخ مشلول بتهتم بيه ست بجمالك وطيبتك؟ إنتي كنتي شهادة ضماني قدام الكل.
بصيت له بكل غل وقلت ومريم؟ أختي اللي كنتوا بتم .وتوها بالبطيء؟
رد ببرود مريم دلوقتي غنية يا هناء.. غنية جداً. والسر اللي معاها بقى ملكي. العربية مستنية بره، مريم فيها، والطيارة كمان ساعتين.

اختاري.. تعيشي ملكة في بلد تانية، ولا تعيشي هنا متهومة بالاشتراك في جرايم كريم؟
في اللحظة دي، سمعت صوت مريم من بعيد بتنادي عليّ.. بس صوتها مكنش طالع من العربية.
صوتها كان طالع من موبايل حسام!
بصيت للشاشة، لقيت فيديو لايف لمريم وهي مربوطة في مكان مجهول، وجنبها حد لابس قناع.
حسام ابتسم بخ .بث تفتكري هسيب مريم في عربية إسعاف تهرب منك ومني؟ مريم الأمانة اللي هتمشينا من هنا. يلا يا هناء.. الوقت بيخلص.
مشيت وراه وأنا حاسة إني بمشي لمصيري المحتوم. ركبنا عربية سودة فخمة، والسكوت كان سيد المكان. طول الطريق كنت بفكر..

هل هسلم نفسي لشيطان عشان أنقذ أختي؟
وصلنا لمخزن قديم في الميناء. دخلنا ولقيت مريم فعلاً مربوطة. حسام فكها وقال لها بلهجة آمرة الرقم يا مريم.. دلوقتي.
مريم بصت لي بدموع، وهزت راسها ب لأ.
حسام طلع مسدسه ووجهه لراسي الرقم يا مريم.. وإلا هناء هتحصل نور في ثانية.
مريم نطقت الرقم وهي بتم .وت من القهر. حسام دخل الرقم في لابتوب قدامه، ولمعت عينه بالانتصار وهو بيشوف الأرقام بتتحول لحسابه.
دلوقتي.. نقدر نمشي.
قالها وهو بيلف عشان يخرج، بس في اللحظة دي، المطر اللي كان بيصب بره وقف فجأة..

وسمعنا صوت خطوات هادية ومنتظمة بتدخل المخزن.
ظهر من الضلمة شخص وشه نصه محروق، هدومه بقايا ن .ار، وعينه فيها نظرة م .وت.
كان كريم!
كريم ممتش في الانفجار.. الوجع والغل خلوه يقوم من وسط الن .ار زي العفريت.
حسام اتصدم إنت.. إنت إزاي عايش؟
كريم نطق بصوت طالع من جحيم عايش عشان أشوف نهايتك يا أخويا. نسيت إن نور علمتني إزاي أتحمل الوجع؟ نسيت إن القبو اللي حبستني فيه كان ليه مخرج سري أنا اللي حفره؟
كريم مكنش معاه سـ,ـلاح، كان معاه ولاعة وجالون بنزين صغير.
إنت خدت كل حاجة يا حسام..

الورث، ونور، ودلوقتي عايز تاخد هناء؟ البيت ولع.. ودلوقتي الدنيا كلها هتولع.
حسام ض .رب ن .ار، بس كريم كان أسرع، رمى الولاعة على بنزين كان مغرق أرضية المخزن أصلاً. الن .ار قامت في ثانية واحدة وعزلتنا عن بعض.
حسام انشغل بالهروب باللابتوب والفلوس، وكريم هجم عليه وسط الن .ار.
أنا سحبت مريم وجريت ناحية الباب الخلفي. الن .ار كانت بتاكل كل حاجة ورايا.. وصراخ الأخين كان بيملى المكان، صراخ ملوش علاقة بالندم، كان صراخ خسارة.
خرجت أنا ومريم للشارع، والبوليس كان محاصر المكان كله.

وقفت وأنا بتنفس بصعوبة، وشفت المخزن وهو بينفجر زي ما البيت انفجر قبل كده.
بعد شهر..
قاعدة في بلكونة بيتي الجديد في محافظة بعيدة، مريم جنبي بدأت تسترد صحتها، بس السكوت بقى رفيقنا الدائم.
فتحت الجرنال، لقيت خبر صغير في صفحة الحوادث
العثور على بقايا جـ,ـثتين لشخصين في مخزن الميناء، وتفحم لابتوب يحتوي على بيانات مشفرة لم يستدل على أصحابها.
قفلت الجرنال وبصيت للسما.
افتكرت أول يوم شفت فيه جروح حسام.. وافتكرت إن أحياناً الجروح اللي بنشوفها بتبقى مجرد طعم عشان منشوفش الجروح اللي في النفوس.

حسام وكريم ماتوا بن .ارهم، وأنا ومريم فضلنا عايشين.. بس بوجع مبيخلصش.
فتحت سجل المواليد بتاع العيلة اللي كان معايا، وشطبت على اسم كريم وحسام.. وكتبت جنب اسمي واسم مريم
الناجون من حكايات رومانى مكرم.
تمت.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى