منوعات

اتجوزنا بعد سنين معاناة…حكايات دنيا اشرف

كنت عندي ٢٨ سنة لما اتجوزت الراجل اللي أعرفه تقريبًا طول عمري. ماعملناش فرح كبير… لا قاعة فخمة ولا فرقة ولا ورد مبالغ فيه. بس قاعة صغيرة مأجرينها، شوية صحاب قريبين، وتورتة معمولة في البيت واحدة صاحبتنا من الكلية أصرت تعملها. بس بالنسبالي… كان مثالي. لأني مكنتش بس بتجوز الراجل اللي بحبه… أنا كنت بتجوز الولد اللي كان بيقعد جنبي على دكة مكسورة في ملعب دار الأيتام، وقاللي يومها: “في يوم من الأيام… هيبقى عندنا بيت بتاعنا.”

وبطريقة ما… ده حصل فعلًا. طفولتنا سوا لحد ما وصلت ٨ سنين، كنت اتنقلت بين ٤ بيوت رعاية. في عائلات كانت طيبة بس مش مستحملة، وعائلات تانية ببساطة قررت إني مش البنت اللي عايزينها. كل مرة كنت بلم هدومي القليلة وأمشي… كنت بحس إني أقل شوية في نظر الناس. لحد ما الأخصائية الاجتماعية ودتني دار أيتام على أطراف القاهرة. وهناك قابلت “كريم”. كان عنده ٩ سنين، وبيتحرك بكرسي متحرك بسبب مشكلة في العمود الفقري من وهو صغير.

أغلب العيال كانوا مش عارفين يتعاملوا معاه… في اللي كان بيتكسف، وفي اللي كان بيتجنبه خالص. أنا لأ. أول يوم ليا هناك، شوفته قاعد لوحده تحت شجرة، وفي إيده كتاب. رحت قعدت جنبه وسألته: “بتقرا إيه؟” بصلي باستغراب… وبعدين ابتسم. ومن اللحظة دي، بقينا ما بنفارقش بعض. كريم كان ذكي جدًا، ودمه خفيف، وعنده طيبة هادية كده تخلي أي حد يحس بالأمان. وكان دايمًا بيحول أبسط لحظة لحاجة مميزة. وأهم حاجة… عمره ما حسسني إني “مكسورة” أو ناقصة.

كبرنا جنب بعض… ولا أنا ولا هو حد اتبنانا. فبقينا إحنا عيلة بعض. لما خرجنا للحياة لما تمّينا ١٨ سنة وخرجنا من الدار، الدنيا فجأة بقت واسعة ومخيفة. بس كنا سوا. أجرنا شقة صغيرة جنب معهد فوق المتوسط. العمارة قديمة، والسخان بيشتغل بالعافية، والعفش كله مستعمل… من سوق الجمعة وحاجات الناس كانت رميها. بس كانت بتاعتنا. كريم دخل حاسبات ومعلومات، وأنا اشتغلت في مكتبة صغيرة جنب دراستي. الفلوس كانت على قدنا جدًا… كنا بنعد الجنيهات، ونقسّم الأكل، ونفرح بالحاجات الصغيرة—زي لما قدرنا نجيب كنبة مستعملة.

وفي وسط ده كله… صداقتنا اتحولت لحب. في يوم بعد يوم طويل، كريم بصلي وقال بهدوء: “أنا حاسس إني بحبك من زمان… بس لسه واخد بالي.” ابتسمت وقلت: “وأنا كمان.” — عرض الجواز بعد الكلية، كريم اشتغل مبرمج. الشغل مش خرافي… بس ثابت. بعد سنة، في يوم شتا شبه أيامنا في الدار، دخل المطبخ وأنا بعمل مكرونة. طلع خاتم صغير وقال بتوتر: “يا دنيا… إحنا بنبني حياتنا سوا من وإحنا صغيرين. تتجوزيني ونكمل سوا للآخر؟”

مافكرتش ثانية: “أيوه.” — الفرح فرحنا كان بسيط… بس مليان فرحة. صحابنا من الكلية حضروا، وحتى مديرة دار الأيتام القديمة جت وفضلت تعيط طول الفرح. وإحنا واقفين قدام بعض، وإيده في إيدي، استوعبت حاجة غريبة… اتنين مالهمش حد… قدروا يبنوا حياة مليانة حب. رجعنا شقتنا بالليل تعبانين وسعداء. وأول مرة في حياتي… حسيت إني “أنتمي” لمكان. — الخبطة تاني يوم الصبح، صحيت على خبط جامد على الباب. كريم كان لسه نايم، قمت لبست كارديجان وفتحت.

وأول ما فتحت… اتجمدت مكاني. راجل واقف في المدخل… طويل، لابس بالطو شيك، شعره متسرح بعناية، وشكله حوالي ٦٠ سنة. بس أكتر حاجة لفتتني… النظرة الجدية في عينه. قال بأدب: “مساء الخير.” قولتله تلقائي: “ده الصبح.” اتلخبط شوية وقال: “معلش… أنا عارف إننا ما نعرفش بعض. بس لازم أقولك الحقيقة عن جوزك. أنا بدوّر عليه بقالي سنين.” قلبي بدأ يدق بسرعة. “حقيقة إيه؟!” طلع ظرف تقيل ومدّهولي: “في حاجة إنتي متعرفيهاش عنه… اقري اللي جواه، وهتفهمي كل حاجة.”

دماغي اتملت سيناريوهات مـ,ـرعبة… كريم كدب عليا؟ مخبي حاجة؟ في اللحظة دي، سمعت صوته ورايا: “يا دنيا؟ مين على الباب؟” بصيت ورايا… لقيته جاي بالكرسي بتاعه، بيفرك عينيه. بص للراجل… وفجأة… وش الراجل اتغير خالص. صدمة… مشاعر… وكأنه عرفه. “كريم؟” قالها بصوت متهز. كريم ركز فيه وقال ببطء: “أنا… عارف وشك. من زمان قوي.” عين الراجل دمعت: “يبقى أخيرًا لقيتك.” — الحقيقة دخلناه الشقة. قال إن اسمه “دانيال مرسي”. قعدنا على ترابيزة المطبخ… وأنا وكريم قصاده.

أخد نفس عميق وقال: “اسم والدتك كان… هالة.” كريم اتشد فجأة، وقال بهدوء: “فاكر الاسم ده…” دانيال هز راسه… وسكت لحظة قبل ما يكمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى