أنا سلفتي المفروض تولد بكرة… وكل حاجة كانت ماشية عادي جدًا لحد اللي حصل الساعة 11 ونص بالليل. كنت قاعدة لوحدي، البيت هادي، وفجأة سمعت خبط على الباب… خبط غريب، مش سريع ولا مستعجل… بالعكس، كان تقيل شوية كده 😶 قمت فتحت، لقيتها واقفة قدامي… شكلها مش تعبانة زي واحدة هتولد كمان ساعات، بس في حاجة في وشها مريّحنيش. بصّتلي وقالت بهدوء: “عايزة ملح.” استغربت طبعًا… بس قولتلها ماشي، عندي باكو ملح جديد مقفول أديهولك.
بصّتلي بسرعة وقالت: “لا… هاتي من اللي بتستعمليه.” وقتها حسّيت بحاجة غريبة… يعني إيه؟ ملح هو ملح… إيه الفرق؟ بس من غير ما أجادل، دخلت جبتلها البرطمان اللي بنستخدمه في المطبخ. مدّت إيديها… وخدت شوية صغيرين، قد معلقة شاي بالظبط… وحطتهم في كفها، وقفلت عليهم بإيدها بسرعة. ولا قالت شكراً… ولا حتى ابتسمت. لفّت ومشيت. قفلت الباب وأنا واقفة مكاني… مش مستوعبة اللي حصل. ليه رفضت الباكو الجديد؟ ليه مصمّمة على الملح اللي “مستعمل”؟ وليه الكمية الصغيرة دي بالذات؟
فضلت أفكر… يمكن أوفرثينكينج وخلاص. بس… بعد حوالي نص ساعة، سمعت صوت باب شقتها بيتفتح تاني… وبعدين… صوتها هي، بتهمس بكلام مش مفهوم… قربت من بابي شوية علشان أسمع… ولما ركّزت أكتر… اتجمّدت مكاني. لأنها كانت بتقول اسمي أنا بالذات… 😳 اتجمّدت مكاني… قلبي بدأ يدق بسرعة غريبة، مش خوف عادي… إحساس تقيل كده كأن في حاجة مش صح. كانت بتقول اسمي… ببطء… وبتكرره كذا مرة، كأنها بتنادي… أو بتقرأ حاجة. فضلت واقفة ورا الباب مش قادرة أتحرك، وكل حاجة جوايا بتقولي: “اقفلي وارجعي أوضتك… مالكيش دعوة.”
بس فضولي كان أقوى. فتحت الباب بهدوء جدًا… سنة صغيرة كده، وبصّيت من الفتحة على السلم. الضلمة كانت مالية المكان، والنور الوحيد جاي من شقتها… الباب كان موارب. وقفت أسمع. صوتها كان أوضح المرة دي… بس الكلمات… مش مفهومة. مش عربي… ولا أي لغة أعرفها. بس اللي خلاني أتجمّد بجد… إنها فجأة سكتت. سكتت مرة واحدة. وبعدها… قالت بصوت عالي شوية: “واقفـة برا ليه؟ ادخلي…” رجعت خطوة لورا بسرعة وقفلت الباب، وقلبي كان هيطلع من صدري.
هي شافتني؟! إزاي؟! أنا كنت حتى مش باينة! فضلت واقفة في مكاني، مش عارفة أعمل إيه. أدخل؟ مستحيل. أطنّش؟ برضو مش قادرة. عدّى شوية وقت، الصوت اختفى، والهدوء رجع تاني… بس الهدوء ده كان أسوأ من أي صوت. دخلت أوضتي وحاولت أنام… بس كل شوية أفتكر شكلها… وطريقتها… وإيديها وهي قافلة على الملح كده بسرعة. ليه الملح بالذات؟ صحيت تاني يوم على صوت خبط جامد على الباب. فتحت… لقيت حماتي واقفة ووشها متوتر. قالتلي بسرعة: “يلا… أخت جوزك تعبت، هنوديها المستشفى.”
لبست بسرعة ونزلنا. طول الطريق وأنا باصة عليها… كانت ساكتة، مغمضة عينيها، بس إيديها… كانت مقفولة بنفس الطريقة اللي خدت بيها الملح امبارح. وصلنا المستشفى، والدكاترة دخلوا بيها بسرعة. قعدنا نستنى… وأنا مش مركّزة في أي حاجة غير اللي حصل بالليل. عدّى وقت… وبعدها خرج الدكتور وقال إن الولادة هتكون صعبة شوية بس تحت السيطرة. كلهم ارتاحوا… إلا أنا. بعد حوالي ساعتين، سمعت صوت عياط طفل. الممرضة خرجت بابتسامة: “مبروك… ولد.” الكل فرح… بس أنا كنت باصة على إيد سلفتي.
كانت لسه مقفولة. الممرضة حاولت تفتحها علشان تنظفها… بس قالت: “غريبة… إيدها مش راضية تتفتح خالص.” قربت منها شوية… وحسيت بقشعريرة في جسمي كله. لأن من بين صوابعها… كان في حبيبات ملح صغيرة لسه باينة. نفس الملح. نفس الكمية تقريبًا. والموضوع خلص هنا؟ لا. لأن بعد ما خرجت من المستشفى بيومين… حصلت حاجة أغرب. الطفل… كان هادي بشكل مش طبيعي. مش بيعيط… مش بيتحرك كتير… بس عينيه… دايمًا مفتوحة. كأنها مركزة على حاجة معينة. في يوم، كنت شايلة الطفل، وحماتي دخلت المطبخ.
قعدت أبص عليه… وفجأة… الطفل لفّ عينيه عليّا مباشرة. بصلي. مش نظرة طفل عادي… نظرة واعية… تقيلة. وبعدين… ابتسم. ابتسامة صغيرة… بس مش بريئة. اتوترت، وكنت هاديه نفسي وأقول دي أوهام. بس اللي حصل بعدها… خلاني مش عارفة أضحك ولا أعيط. لأنه فجأة… إيده الصغيرة اتحركت… ورفعت نفسها ببطء… كأنها بتقلّد حركة أمه بالظبط… وقفل كف إيده… كأنه ماسك حاجة… 🧂😳 وقتها حسّيت إن الدم ساب جسمي كله. إيده الصغيرة مقفولة بنفس الطريقة… نفس الزاوية… نفس الحركة بالظبط.
رجّعت الطفل بسرعة لحضن أمه وأنا بحاول أقنع نفسي إن ده عادي… مجرد حركة لا إرادية. بس مكنتش مقتنعة. عدّى اليوم… والتوتر جوايا بيزيد. بالليل، وأنا في أوضتي، سمعت صوت خفيف جاي من شقتهم… نفس الهمس. نفس النغمة الغريبة. وقفت عند الباب… وأنا مترددة… بس المرة دي كان في حاجة بتشدّني أسمع. قربت أكتر… الصوت مكنش صوتها لوحدها. كان في صوت تاني. أضعف… أهدى… بس موجود. رجعت لورا وأنا جسمي كله بيرتعش. “مستحيل… الطفل؟!” قعدت مكاني شوية… وبعدين، من غير ما أحس، لقيت نفسي خارجة على السلم.
باب شقتهم كان موارب… زي المرة اللي فاتت. النور خافت. والهمس واضح. قربت خطوة… وبعدين خطوة… لحد ما بقيت قدام الباب بالظبط. بصّيت من الفتحة… وساعتها… كل حاجة جوايا وقفت. سلفتي كانت قاعدة على الأرض… حاطة الطفل قدامها. وإيديها مفتوحة المرة دي. فاضية. أما الطفل… فكان رافع إيده الصغيرة… وفي كفه… حبيبات ملح. بس مش شوية صغيرين زي الأول… كمية أكبر… رغم إن مفيش أي مصدر للملح حواليه. وكان بيحرّك شفايفه… بنفس الهمس اللي سمعته.
نفس اللغة. سلفتي بصّت عليه… وابتسمت. وبعدين رفعت عينيها عليّا… وقالت بهدوء غريب: “خلاص… الدور عليه دلوقتي.” رجعت لورا بخطوة… مش فاهمة. “دور إيه؟!” ابتسمت أكتر… وقالت: “كل واحد فينا بياخد نصيبه… وإنتي كنتي البداية.” قلبي وقع. “أنا؟!” مدّت إيدها الفاضية ناحيتي… وقالت: “فاكرة الملح اللي إنتي ادتيهولي؟” هزّيت راسي ببطء… قالت وهي بتبص على الطفل: “مش أي ملح… ده اللي عليه أثرك… من بيتك… من إيدك… وده كان لازم علشان نربطه بيكي.” رجعت خطوة كمان… وكنت هقع.
“تربطوه بإيه؟!” المرة دي الطفل هو اللي بصلي. ابتسامته اختفت. وعينيه… بقت أهدى… بس أعمق. ورفع إيده المقفولة شوية… وفجأة… فتحها. حبيبات الملح وقعت على الأرض… لكن قبل ما تلمس الأرض… اختفت. زي ما تكون اتبخرت. وساعتها… حسّيت بحاجة سخنة في كف إيدي أنا. بصّيت بسرعة… ولقيت… نفس حبيبات الملح… ظهرت في إيدي. صرخت ورميتها على الأرض… بس مكنتش بتقع. كانت لازقة في جلدي. سلفتي قامت ببطء… وقربت مني… وقالت بصوت واطي: “خلاص… كده بقى بينا رابط.”
كنت بحاول أهرب… أتحرك… بس جسمي تقيل. وقالت وهي بتبص في عيني: “مفيش حاجة بتبدأ من غير تمن… وإنتي دفعتيه من غير ما تعرفي.” الطفل ضحك ضحكة خفيفة… وبعدين سكت. والنور في الشقة طفى فجأة. والهمس وقف. والدنيا بقت هادية جدًا… لدرجة إني بقيت سامعة صوت نفسي بس. وبعدين… صحيت. كنت في سريري. الشمس داخلة من الشباك. قلبي بيدق بسرعة… وهدومي مبلولة عرق. قعدت أبص حواليّا… كل حاجة طبيعية. “حلم؟!” قمت بسرعة وجريت على كف إيدي…
فاضية. مفيش حاجة. ضحكت بتوتر… وقلت لنفسي: “أهو كابوس وعدّى.” بس وأنا داخلة المطبخ… وقفت فجأة. لأن برطمان الملح… كان مفتوح. مع إني متأكدة إني قفلته. قربت منه ببطء… بصّيت جواه… ولقيت… نفس الكمية الصغيرة ناقصة. قد معلقة شاي بالظبط. وساعتها… سمعت ورايا صوت هادي جدًا… بيقول: “لسه البداية…” 😳
