منوعات

رسالة من ميتة أنقذتني حكايات دنيا اشرف

  “أختي رمت أمي… بس اللي شوفته في المقابر غيّر كل حاجة!”   لما أمي تعبت شوية، مكنتش متخيل أبدًا إن المكالمة اللي جاتلي من أختي هتقلب حياتي بالشكل ده…   صوتها كان بارد… غريب… مش هو صوتها اللي أعرفه.   قالتلي: “خد أمك يا إما توديها دار مسنين… يا إما تيجي تعيش معاك.”   سكت… افتكرت إنها بتهزر. أختي؟ اللي كانت بتحارب الدنيا كلها عشان أمي تفضل عندها؟!   لكن لا… هي كانت جد.

  الصدمة خلتني أتحرك من غير ما أفكر… روحت جبت أمي.   وهناك… بدأت الحقيقة تظهر… حقيقة أقذر من أي حاجة كنت أتخيلها.   أختي كانت مش مربية أمي… كانت مشغلاها خدامة.   طبيخ… غسيل… تنظيف… حتى مشاوير برة البيت! ولما تعبت… ورجليها مبقتش شايلة… قررت ترميها… لأنها “مبقتش مفيدة”.   ساعتها الدم غلي في عروقي… كنت هروح أكسر الدنيا فوق دماغها… لكن أمي… حلفتني…   “ما تروحش… خلّصني منها بس.”   خدت أمي ومشيت…

على أوضتي الصغيرة… اللي في بلد تانية.   أوضة بالكاد تشيلني أنا… بقت فجأة شايلة اتنين… وحكاية تقيلة أوي.     —   رغم ضيق الحال… كنت حاسس بحاجة غريبة…   من أول يوم أمي قعدت معايا… الرزق بدأ يوسع.   شغل ييجي من كل ناحية… ناس بتطلبني بالاسم… واليومية بتزيد…   كأن وجودها بركة ماشية على الأرض.     —   شغلي كله كان في مكان واحد…   المقابر.   أنضف… أحفر… أهدم… أشيل…

شغل تقيل… بس بيأكل عيش.   وفي يوم… وأنا شغال في مقبرة مهدودة… حصلت الحاجة اللي عمري ما هنساها…     —   كنت مركز في الشغل… لحد ما سمعت صوت ست بتنادي…   لفّيت… لقيتها واقفة بعيد… وشها شاحب… وعينيها فيها خوف يخوّف.   قالتلي: “هو أنت… هتأذيني؟”   السؤال نفسه غريب… بس ابتسمت وقلت: “لا طبعًا… خير؟”   قربت شوية… وقالت: “شنطتي وقعت جوة قبر… كنت بقرأ الفاتحة لأبويا.”   الكلام… مكنش منطقي.

بس… الغريب إني صدقتها.   مشيت وراها… لحد ما وقفنا قدام قبر مفتوح.     —   نورت كشاف الموبايل… ونزلت.   دورت… مفيش أي شنطة.   طلعت وقلت: “مفيش حاجة.”   بصتلي وقالت بنبرة أغرب: “بص كويس… ركّز.”     —   نزلت تاني…   وهنا… كل حاجة اتغيّرت.   كأن ضباب كان على عيني واتشال…   بصيت قدامي… لقيت كفن.   جواه جثة.   بقعة دم… لسه حمراء… كأن اللي جوه مات حالًا.

  إيدي اتحركت لوحدها… كشفت وش الميت…   وفي اللحظة دي…   روحي خرجت مني.   لأن اللي جوه… كانت نفس الست… اللي فوق.     —   طلعت أجري من القبر…   ملقتهاش.   اختفت.   كأنها عمرها ما كانت موجودة.     —   وفجأة… سمعت صوت.   ناس جاية.   استخبيت بسرعة…   وشفت راجل وست… قربوا من القبر… وقفلوه بسرعة…   والراجل قال: “الله يخربيتك… حد ينسى القفل؟ الحمد لله محدش شاف حاجة.”

  قلبي وقع…     —   مشيت وراهم بهدوء…   خرجوا من المقابر… ركبوا توكتوك…   حفظت الرقم.   كنت عارف… إن اللي شوفته ده… مش عادي.     —   رجعت البيت…   مش عارف آكل… ولا أشرب… ولا حتى أفكر.   جوايا صوتين:   واحد بيقول: “اسكت… دي مصيبة أكبر منك.”   والتاني بيصرخ: “لو سكت… تبقى شريك!”     —   نمت…   وشوفت حلم…   أنا واقف قدام نفس القبر…

بس المرة دي…   أنا اللي بدفن البنت.   وهي… عايشة.   بتصرخ… بتعيط…   وأنا… مش مهتم.   والراجل والست واقفين فوق… بيوجّهوني.     —   صحيت مفزوع…   قلبي بيدق بعنف…   وفهمت.   دي مش كابوس…   دي رسالة.     —   في اللحظة دي… أمي دخلت عليا…   قالتلي: “حاسّة بيك… مالك؟”   حضنتها… وانفجرت في العياط…   حكيتلها…   وقلت: “لو اتكلمت… ممكن أضيع… ولو سكت… أبقى مشارك في جريمة.”

    —   أمي سكتت شوية…   وبعدين بصتلي… نظرة عمري ما هنساها…   وقالت جملة واحدة بس…   “الحق… لازم يتقال… حتى لو التمن غالي.”     —   ومن اللحظة دي…   قررت…   إني هرجع المقابر تاني…   بس المرة دي…   مش عشان الشغل.     —       —   الجزء التاني: “الرجوع للمقابر”   فضلت طول الليل صاحي… كلام أمي بيرن في وداني:   “الحق لازم يتقال…”

  بس السؤال كان: هقوله لمين؟ وإزاي؟ وأنا أصلًا لوحدي… وممكن أختفي زي البنت دي!     —   تاني يوم… نزلت المقابر.   بس المرة دي… مش عامل… أنا رايح أدوّر على الحقيقة.   كان قلبي بيدق بعنف… كل خطوة بحس إن حد شايفني.   وصلت لنفس القبر…   وقفت قدامه… نفس الإحساس… نفس الرهبة…   بصيت حواليّا… مفيش حد.   بدأت أحفر… بإيدي.   التراب كان تقيل… بس خوفي كان أتقل.    

—   وفجأة…   خبطت في حاجة.   رجعت لورا شوية… ونضفت المكان…   ظهر جزء من الكفن.   نفس الكفن.   نفس البقعة الحمرا.     —   إيدي كانت بتترعش… بس المرة دي… كنت واعي.   فتحت الكفن…   ولقيتها.   نفس البنت.   بس المرة دي… وشها كان هادي…   كأنها مستنية حد ينقذها حتى بعد موتها.     —   في اللحظة دي… سمعت صوت ورايا:   “بتعمل إيه هناك؟!”  

اتجمدت…   لفّيت ببطء…   لقيت الراجل.   نفسه.   واقف… بيبصلي بنظرة كلها شر.     —   قاللي وهو بيقرب: “واضح إنك شوفت أكتر من اللازم.”   كنت عايز أجري… بس رجلي متسمّرة.   وفجأة… طلعت الست من وراه…   وقالت: “نخلّص عليه زيها.”     —   الكلمة وقعت عليا زي الرصاصة.   بس في لحظة…   افتكرت أمي.   افتكرت حضنها…   وقوتها.     —   جمعت شجاعتي… وزقيت الراجل بكل قوتي…

  وجريت.     —   كانوا بيجروا ورايا…   صوتهم ورايا بيقرب…   قلبي هيطلع من صدري…     —   خرجت من المقابر بالعافية…   ولحسن حظي… عدّى توكتوك قدامي فجأة.   ركبت وأنا بصرخ: “اطلع بسرعة!”     —   وأنا في الطريق…   افتكرت رقم التوكتوك اللي شوفته امبارح…   بصيت… لقيته نفس الرقم.     —   بصيت للسواق…   وشي اتشل من الرعب.   لأنه قاللي بهدوء:   “أنا عارف كل حاجة…”

    —   جسمي كله سقع…   قلتله: “إيه؟!”   بصلي وقال: “أنا اللي وصلتهم امبارح… بس كنت عارف إن في حاجة غلط.”     —   وقف التوكتوك فجأة…   وقال: “إحنا لازم نروح القسم.”     —   الجزء الأخير: “الحق بيظهر”   روحنا القسم…   في الأول… محدش صدقني.   عامل بسيط… بيحكي قصة قتل في المقابر؟!   بس…   لما قلتلهم على مكان القبر…   ورقم التوكتوك…   والتفاصيل…  

بدأوا يتحركوا.     —   راحوا معايا…   فتحوا القبر…   ولقوا الجثة.     —   التحقيقات بدأت…   واتقبض على الراجل والست.   طلعوا عصابة…   بيخطفوا بنات… ويقتلوا أي حد ممكن يفضحهم.     —   وأنا؟   كنت شاهد…   بس كمان…   كنت سبب إن روح ترتاح.     —   رجعت البيت…   أمي كانت مستنياني…   أول ما شافتني…   حضنتني.     —   وقالتلي: “كنت عارفة إنك هتعمل الصح.”

    —   بصيتلها…   وابتسمت لأول مرة من أيام…   وقلت: “لو مكنتيش معايا… كنت سكت.”     —   ومن يومها…   حياتي اتغيرت.   الشغل زاد أكتر…   والناس بقت تحترمني…   بس أهم حاجة…   إني لما ببص في المراية…   مش بشوف واحد سكت على ظلم.     —   النهاية 🔥     —    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى