أول مرة حولت فيها المصاريف، قلت لنفسي دي مجرد زقة لسنة واحدة.. مجرد خطوة تسند ياسين في أول سنة ثانوي في مدرسة المنارة الدولية، المكان اللي الطرقة فيه كأنها مشهد من فيلم سيما، والمدرسين عندهم وقت يحفظوا فيه اسم كل طالب.
ده كان الكلام اللي برتب بيه أفكاري وصوباعي بيتحرك فوق زرار تأكيد التحويل على أبلكيشن البنك.
اثنين وستين ألف جنيه.
رقم كبير يخوف، رقم يخلي أي حد يفكر ألف مرة.
بس أنا شفت ياسين في مدرسته الحكومية القديمة.. شفت كتافه اللي كانت بتنحني تحت تقُل الشنطة اللي أكبر من جسمه وهو عنده 14 سنة.
شفت الفصول الزحمة لما رحت مرة أتطوع.. 45 عيل في فصل واحد، مدرسة غلبانة طالع عينها، وأخصائية اجتماعية بتبصلك ب نظرة الموت وهي بتحاول تمنع مستقبل مئات العيال إنه يضيع من بين إيديها.
مدرسة المنارة ماكانتش سحر، بس كانت فرصة.. فصول صغيرة، معامل حقيقية، ومدرسين يكتبوا توصيات للجامعة تفتح أبواب، مش مدرس بيكتب طالب ضمن 40 غيره.
داليا اختي ماكنتش تقدر تدفع.. مش لوحدها.
وداليا.. أختي الكبيرة، وال قاضي بتاعي طول العمر.. كانت تفضل تاكل زلط ولا إنها تطلب مني مليم.
عشان كدة ما استنتش إنها تطلب.
الفلوس كانت
بتتحول من حساب شركتي لمكتب الحسابات في المدرسة.. في هدوء تام. مفيش زفة، ولا إعلان، ولا فخر. مجرد شبكة أمان ممدودة تحت حياة حد تاني من غير ما يشوفها.
كل ترم ييجي ظرف زي الساعة.. بيان المصاريف، تاريخ الاستحقاق، وتنبيه لطيف إن المنارة بتمشي بالفلوس زيها زي أي حاجة تانية في الدنيا.
وكنت بدفع.. مرة، واتنين، وتلاتة.
وعمري ما قلت لحد.
داليا افتكرت إن ماما الله يرحمها هي اللي سايبة الفلوس دي.. اخترعت لنفسها قصة إن فيه وديعة سرية أو ورث مخفي.. أي تفسير يريحها عشان ما تضطرش تعترف إن أختها الصغيرة أنا، مي، اللي طول عمرها كانت بتسميني الفنانة والهوائية وبتاعة الأحلام هي اللي بنت كيان حقيقي وبقت هي السند.
سيبتها تصدق اللي هي عايزاه.. الكدبة كانت أريح بكتير من الحقيقة.
الحقيقة كانت ملخبطة.. الحقيقة إني بعد التخرج فعلاً كنت بتنطط من شغلانة للتانية، وداليا كان عندها حق تبصلي باستخفاف. بس في سن ال 26، اكتشفت إني شاطرة في حل مشاكل الشركات اللي مفيش حد بيحب يواجهها.. بدأت كاستشارية لشركات صغيرة مشاكل المخازن، تنظيم الموظفين، سياسات التسعير.. الموضوع بدأ ب جدعنة وقلب بعقود وشغل وسند، وبقى عندي عملاء بيدفعوا
كويس لأن شغلي بيوفر لهم ملايين.
وعلى سن ال 32، بقى عندي تيم صغير، ونوع هادي من الفلوس.. مش فلوس طيارات خاصة، بس فلوس تخليك تحول مصاريف مدرسة غالية من غير ما تدمر حياتك.
ما طلبتش شكر.. ولا حتى كنت عايزاه. الشكر من داليا دايماً بييجي بشروط، وأنا مكنتش ناقصة حب مشروط.
أنا بس كنت عايزة ياسين ياخد فرصة.
ياسين طول طفولته كان طيب، من العيال اللي بتعتبر الكبار مجرد عفش موجود في البيت وخلاص. كان بيحضني في المناسبات، ومرة وافق يروح معايا المتحف العلمي.. كان بيحب الساعة الغالية اللي جبتها له في عيد ميلاده، اخترتها بعناية عشان كان لمح موديلها قدامي، وكنت عايزة يحس إن فيه حد شايفه بجد.
يمكن كان فيه جزء مني لسه بيحاول يشتري حاجة.
مش الحب.. بس الانتماء.
واحنا صغيرين، داليا كانت النجمة المنورة، وأنا كنت الشهاب اللي مالوش لزمة ولا عارف يرسى على بر. داليا خدت الدرجات، والشهرة، والجوازة البدري، والسبوع اللي بالورد الأبيض والدانتيل. وأنا خدت التعليقات السخيفة وأسئلة ها.. بتعملي
إيه دلوقتي؟ اللي كانت بتبان كأنها ابتسامة وهي في الحقيقة بوكس في الوش.
بعد وفاة ماما، العيلة ما اتفككتش، هي بس اتعاد ترتيبها. بابا
بقى أهدى وأكفى على خبره، وداليا صوتها بقى أعلى.. وبطريقة ما، ومن غير ما حد يقصد، بقيت أنا الشخص اللي بيسد الخانات من غير ما يتطلب منه.
حد محتاج ينظم مواعيد دوا بابا؟ مي موجودة.
حد عايز توصيلة للمطار؟ مي معاها عربية.
حد محتاج جليسة أطفال لعيال ولاد عمنا في آخر لحظة؟ مي مابتكسفش حد.
بقيت مفيدة.. مش مقدرة. مفيدة وبس.
مصاريف ياسين كانت ماشية في نفس السكة.. خرم أنا بسده من غير ما حد يحس.
لحد ما جه يوم الثلاثاء، قبل عزومة يوم العيلة اللي بنعملها كل سنة بيومين.. موبايلي رن بالتنبيه المعتاد مصاريف الترم التاني لياسين لازم تتدفع خلال 6 أسابيع.
كنت قاعدة على مكتبي، قدامي شيت إكسيل، والقهوة بتبرد جنبي.. صوباعي كان هيلمس زرار التأكيد. 10 ثواني والمشكلة كانت هتختفي لترم جديد.
فجأة داليا بعتت رسالة
أنا جايبة هاني معايا العزومة السنة دي.. أخيراً حد ناجح في العيلة بجد! مش قادرة أستنى تقابليه.
فضلت باصة للرسالة لحد ما الكلام زغلل في عيني.
هاني ده صاحبها الجديد.. مدير مبيعات في شركة أدوية كبيرة، وداليا كانت بتحكي عنه كأنه إمبراطور. بقالي شهرين بسمع عن علاقاته واستثماراته وعضوياته في النوادي. كانت شايفة
إنها لقت الراجل اللقطة بعد سنين تعب،
وعايزة الكل يعرف ده.
صوباعي بعد عن زرار الدفع.
ماكنش حسد.. ولا حتى غضب.. كانت حاجة أصغر وأحدّ بكتير.. غريزة وشوشت في ودني وقالت لي استني.. اهدي شوية.
قفلت أبلكيشن البنك من غير ما أدفع.
ليلتها نمت واللابتوب على حجري، كنت براجع الإيميلات القديمة للمدرسة، وبحسب الأرقام في دماغي.
تلات سنين.
ست ترامات.
رقم دخل في الملايين بأسعار النهاردة.
فكرت في ماما، وإزاي داليا مقنعة نفسها إن ماما لسه بتنقذها وهي تحت التراب. فكرت في بابا اللي عمره ما سأل مين بيدفع لأنه بيكره المواجهات.
وفكرت في ياسين..
اللي بقى عنده 15 سنة، وبقى في المرحلة السخيفة اللي الحب فيها بيبقى كسوف والتعالي فيها بيبقى سهل.
العزومة كانت بعد يومين.
قلت لنفسي إني مكبرة الموضوع.
بس التنبيه بتاع البنك فضل واقف هناك.. زي نفس مكتوم، مستني اللحظة اللي يخرج فيها.
الجزء الثاني
يوم العزومة، البيت كان ريحته بط بمرتة ورقاق، والضحك العالي مالي المكان.. بس قلبي كان مقبوض. دخلت وأنا شايلة الحلويات كالعادة، وبابا استقبلني بابتسامته الهادية نورتي
يا ميّوش.
داليا كانت في قمة شياكتها، وجنبها هاني.. اللي كان فعلاً لابس بدلة غالية وبيتكلم بطريقة تخليك تحس إنه هو اللي اخترع التجارة في مصر. وطبعاً داليا كانت طايرة بيه، وكل شوية تبصلي بصه فيها شفقة كأنه بتقول يا حبيبتي يا مي، لسه بتلفي ورا الشركات الصغيرة؟
قعدنا على السفرة، وياسين كان قاعد جنبي، عينه في الموبايل ومسماعاته في ودنه.. كأننا هوا.
داليا بدأت تفتح مواضيع الاستثمارات، وهاني شغال رص مصطلحات البورصة، العقارات، الكومباوندات الجديدة.. وفجأة داليا لفت لي وقالت بصوت مسموع للكل
والله يا هاني، أنا مش عارفة مي أختي دي هتفضل تايهة كدة لحد إمتى؟ يعني البنت كبرت، والمفروض تبدأ تفكر في مستقبلها بدل الشغل اللي باليومية ده.. مش كدة يا بابا؟
بابا سكت، وأنا بلعت لقمة كانت واقفة في زوري زي الشوك. قبل ما أرد، سمعت صوت همس جاي من ناحية ياسين.. كان بيكلم مامته بصوت واطي بس مسموع
يا مامي فكك منها.. هي أصلاً لوزر وفاشلة، هي بس بتحاول تشتري حبنا بالهدايا والساعات عشان تحس
إن ليها لازمة.. سيبك منها وخلينا
في هاني، ده بجد اللي واجهة!
داليا ضحكت بخفة وقالت له يا واد بس عيب.. خالتك طيبة برضه.
الكلمة نزلت عليا زي مية تلج. تشتري حبهم؟ لوزر؟
في اللحظة دي، شريط ال 96 ألف دولار وبالمصري اللي اتدفع في تلات سنين عدى قدام عيني. شريط السهر، وتظبيط الميزانية عشان ياسين ما يتحرجش قدام زمايله الهاي كلاس.
طلعت موبايلي من شنطتي بهدوء شديد تحت الترابيزة.
فتحت أبلكيشن البنك.
جبت أمر الدفع المستديم Standing Order اللي كان بيحول المصاريف أوتوماتيك للمدرسة كل ترم.
وبصوباعي.. عملت إلغاء.
رفعت عيني وبصيت لياسين وابتسمت له الساعة عجباك يا يسو؟
رد من غير ما يبصلي عادية يا خالتو، هاتي حاجة أحدث المرة الجاية.
كملت أكلي ببرود أعصاب غريب.. كنت حاسة براحة مابعدها راحة.
بعد شهرين.. بداية الترم التاني
موبايلي مابطلش رن. داليا. 15 مكالمة فائتة.
رديت في ال 16 ببرود أيوة يا داليا؟
صوتها كان مرعوب، بتعيط وبتنهج مي! الحقيني! رحت أدفع قسط الترم لياسين، المدرسة قالوا لي إن المصاريف ما نزلش فيها المنحة بتاعة ماما! وإن فيه مديونية متأخرة
كمان! والمدير قالي لو الفلوس ما اندفعتش خلال 48 ساعة، اسم ياسين هيتشال من الكشوفات وهيتفصل!
قلت لها بهدوء منحة إيه يا داليا؟ ماما الله يرحمها ما سابتش مليم للمدارس.. أنتي عارفة المعاش كان يا دوب.
داليا اتلعثمت أمال.. أمال مين اللي كان بيدفع السنين اللي فاتت دي كلها؟!
سكتت لحظة، وبعدين قلت لها ال لوزر يا داليا.. الفاشلة اللي كانت بتحاول تشتري حبكم.. هي اللي كانت بتدفع.
الخط قطع من ناحيتها.
بعد ساعة، لقيت ياسين بيكلمني.. صوته كان بيرعش، مفيش Contempt ولا تعالي خالتو مي.. أنا آسف.. أنا ماكنتش أقصد.. مامي قالت لي إن المدرسة ضاعت مني.. أرجوكي يا خالتو، هاني مش راضي يدفع ملّيم، بيقول ملوش دعوة بمصاريف عيال مش عياله.. أرجوكي ساعديني.
رديت عليه بكلمة واحدة، الكلمة اللي كنت محتاجة أقولها من سنين
يا حبيبي، أنا لسه لوزر.. واللوزر مايقدرش يشيل مسؤولية تقيلة زي دي.. روح اطلبها من الناجحين اللي عندك.
قفلت السكة، وشربت قهوتي، وأنا شايفة اسمي مي في المراية.. مش كمجرد سد خانة، لكن كبني آدمة عرفت أخيراً تحط حدود
للي ما يستاهلش.
النهاية بقلم انجي الخطيب
