لم تكن كلم,,ات “أم محمد” عبر الهاتف مجرد تنبيه، بل كانت بمثابة إعلان حرب على كرامتنا في وسط المنطقة. تجمهر الناس في الحتة، وصوت والدة مصطفى كان يلعلع في الشارع وهي تصيح: *”يا ناس يا هوه.. إحنا ملحقناش نفرح، والناس هنا بتلعب ببناتها وتتبلى على ابني بعد ما جهز وشال!”* أما مصطفى، فكان واقفاً بوجه شاحب وعينين زائغتين، يمسك بيده صورة الشهادة الطبية ويحاول تبرير موقفه لكبار المنطقة الذين جمعهم معه ليكونوا واسطة خير وقوة ضغط في آن واحد.
داخل شقتنا، تحول الهدوء إلى عاصفة صامتة. سحب أبي “الحاج زناتي” جلبابه وعصاه، والتفت إلى أخي أحمد وعمار وقال بصوت حازم: * **الحاج زناتي:** “النسوان تلم بعضها جوة. والرجالة تنزل معايا. مفيش كلب يعلي صوته على بيت الزناتي والناس تتفرج.” كنت واقفة وراء ضلفة النافذة، أرتجف ليس خوف,,اً من مصطفى، بل من الفضيحة التي طالما هربت منها فلحقتني إلى عقر داري. نظرت إلى عمار، رأيت في عينيه تحولاً مخيفاً؛ برود المهندس الأنيق اختفى تماماً، وحل محله غض,,ب صعيدي مكتوم. وضع هاتفه في جيبه وتحرك خلف أبي دون أن ينطق بكلمة واحدة.
### المواجهة في عرض الشارع نزلت رجالة بيتنا، وانشق صف الناس في الشارع ليمر الحاج زناتي بهيبته المعروفة. وقف مصطفى ومعه خاله وأحد كبار المنطقة المدعو “الحاج عاشور”. * **الحاج عاشور (مهدئاً الأجواء):** “جرى إيه يا حاج زناتي؟ إحنا كبار والبيوت أسرار، وميصحش كراتين حاجت الولد تنزل في الشارع والناس تتفرج، والكلب يحوم حوالين الفرش والفرح فاضل عليه شهر! الولد غلطان في أسلوبه، بس جاي يعتذر وشاري.”
* **الحاج زناتي (يض,,رب بعصاه الأرض بقوة):** “البيوت أسرار لما يكون اللي داخلها راجل يصونها يا حاج عاشور! اللي يطلب شهادة تبرئ عرض بنتي قبل ما يكتب الكتاب بأسبوعين، يبقى رماني في شرفي ونقّص من تربيتي ليها. وبنتي غالية، والورقة اللي في إيده دي أنا اللي خليتها تعملها عشان أحطها في عينه وعين أهله، مش عشان نثبتله حاجة!” هنا تدخلت والدة مصطفى بصوت جهوري: * **والدة مصطفى:** “ومن امتى البنات بتتشرط وتطرد عرسانها يا حاج؟ وابن عمها عمار ده طلع منين فجأة عشان يتخطب لها الأسبوع الجاي؟ الناس هتقول إيه علينا وعلى بنتك؟”
قبل أن ينطق أبي أو أخي بكلمة، تقدم عمار بخطوات واسعة حتى وقف وجهاً لوجه أمام مصطفى. غيّر عمار مسار المواجهة تماماً برزانة قاتلة: * **عمار (بصوت جهوري هادئ هز الشارع):** “ابن عمها طلع لما لقى ابن الأصول ساب الأصول ورا ظهره ومسك في الشك. الناس مش هتقول على بنت الزناتي غير إنها ست الستات، والنهاردة أنا بقدم شبكتها ومهرها قدام الحتة كلها، واللي عنده كلمة يلمها في بوقه. أما أنت يا مصطفى.. الورقة اللي في إيدك دي لو لمحتها مع حد تاني، أو سمعت حسك في الحتة دي، حسابك معايا أنا مش مع عمي.”
### نقطة التحول والشرخ القديم انكمش مصطفى أمام نظرات عمار الواثقة، وبدأ يتراجع خطوة للخلف وسط همسات الجيران الذين بدأت تتضح لهم الحقيقة؛ فالأمر لم يكن عناداً من ندى، بل كان طع,,ناً في الشرف لم يقبله أهلها. سحب خاله الورقة من يده وضغط على كتفه قائلاً: *”امشي يا ابن أختي.. مالناش عيش هنا، اللي يشك في مراته قبل ما يدخل عليها ملوش مكان وسط الرجالة.”* انسحب مصطفى وأهله يجرون أذيال الخيبة والفضائح التي أرادوا إشعالها لنا فارتدت عليهم.
### القرار الصعب في المساء، عاد الهدوء إلى البيت، لكن قلبي كان مثل أرض المعركة بعد انتهاء الحرب. دخلت أمي وأخي وأبي، وجلس عمار في الصالة هادئاً كأن شيئاً لم يكن. دخلت ووقفت أمامهم، نظرت إلى عمار طويلاً، ثم وجهت كلامي لأبي: * **ندى (بصوت متهدج ولكن ثابت):** “يا بابا.. أنا بشكر عمار إنه وقف وقفة رجالة ورد غيبتي قدام الحتة كلها. وعارفة إن عمار راجل وألف مين بتمناه.. بس أنا مش هقدر أكون معاه والناس تقول إني اتخطبتله عشان أداري على خيبتي مع مصطفى، أو إني وافقت عليه لمجرد العناد.”
التفتُّ إلى عمار وتابعت والدموع تنهمر من عيني: * **ندى:** “أنا مش عاوزة أظل,,مك معايا يا عمار.. أنت تستاهل واحدة قلبها مفيش فيه جرح لسه بينزف، وأنا لسه مكملتش كام يوم من صدمة عمري.” وقع الصمت على الصالة، ونظر أبي لعمار ليرى ردة فعله. ابتسم عمار ابتسامة غامضة، وقف وعدّل من هندام بدتله، ثم نظر إليّ بتمعن شديد وقال كلمة واحدة زلزلت كياني وأعادت ترتيب كل الحسابات في عقلي.. حكايات رومانى مكرم
وقع الصمت على الصالة، ونظر أبي لعمار ليرى ردة فعله بعد كلم,,اتي التي ظننت أنها ستنهي الأمر وتغلق الباب. ابتسم عمار ابتسامة غامضة تحمل وثوقاً غريباً، وقف وعدّل من هندام بدلته، ثم نظر إليّ بتمعن شديد وقال بصوت رخيم وثابت: * **عمار:** “أنا مش استبن يا ندى، ولا أنا الراجل اللي يتدخل في النص عشان يداري على خيبة حد أو عشان يعاند عيل ميسواش. أنا عمار حسني.. ولما دخلت البيت ده ودخلت الشارع ده النهاردة، دخلته وأنا عارف أنا بعمل إيه كويس.”
التفت إلى أبي وأخي أحمد وتابع كلامه: * **عمار:** “يا عمي زناتي، أنا هسيب ندى على راحتها تماماً. الخطوبة اللي أعلنتها قدام الحتة هتم وتثبت قدام الناس كلها عشان نقفل بوق أي حد يفكر يرمي كلمة، والشبكة هتوصل لغاية هنا بكرة. لكن بيني وبين ندى.. مفيش فرح ولا كتب كتاب هيتعمل إلا لما هي تيجي بنفسها وتقولي يا عمار أنا نسيت اللي فات، وعاوزة أكمل عمري معاك بكامل إرادتي. أنا مش مستعجل، ومعاكي بدل الشهر.. سنة.”