نظر إليّ نظرة أخيرة كانت كفيلة بأن تجعل قلبي ينبض بطريقة لم أعهدها من قبل، ثم استأذن وخرج ومعه عمي، تاركاً خلفه هدوءاً غريباً يلف أركان المنزل. ### عودة الشبح مرت الأيام، وأوفى عمار بوعده؛ وصلت الشبكة وكانت تفوق ما قدمه مصطفى بمراحل، وتم إعلان الخطوبة رسمياً وسط مباركات الجيران الذين رأوا في عمار الفارس الذي رد لبيت الزناتي اعتباره. كان عمار يتعامل بذكاء شديد؛ لا يضغط عليّ، لا يتصل بكثرة، وإذا جاء لزيارتنا يجلس مع أبي وأخي، ويوجه لي كلم,,ات عامة مليئة بالاحترام والتقدير، وكأنه يمنحني المساحة الكاملة لأتنفس وأداوي جروحي.
لكن الأمور لم تكن لتسير بهذه السهولة؛ فالمجروح لا يهدأ بسهولة، ومصطفى لم يكن ليتقبل هزيمته النكراء أمام الحتة كلها بتلك البساطة. في نهاية الأسبوع الثاني، وأثناء خروجي من معهد التمريض الذي أدرس فيه، شعرت بخطوات تتبعني. تسارعت دقات قلبي، وحين التفتُّ خلفي، وجدته هو.. مصطفى. كان شكله متغيراً؛ ذقنه نابتة، وعيناه غائرتان، والكسرة تملأ وجهه. * **مصطفى (بلهفة وصوت مبحوح):** “ندى! أرجوكي اسمعيني.. دقيقة واحدة بس ومش هتشوفي وشي تاني.” * **ندى (بتراجع وخوف ممزوج بالغض,,ب):** “أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنت مش قولت إنك مش مسامحني ليوم الدين؟ جاي ورايا ليه تاني بعد الفضيحة اللي عملتوها في الشارع؟”
* **مصطفى (يقترب خطوة وعيناه تملأهما الدموع):** “أنا كنت مغمى على عقلي يا ندى.. أمي وخالاتي هما اللي وزّوني وقالولي لازم تكسر عينها وتضمن حقك عشان متطلعش عليك كلمة في الحتة بعد ما سيبتوا بعض. أنا والله بحبك، والشهر اللي فاضل على الفرح بيم,,وتني كل ثانية. عمار ده مش بيحبك يا ندى.. عمار واخدك عناد فيا وتخليص حق قديم بين عيلتنا وعيلتكم بسبب أراضي زمان!” ### الحقيقة الغائبة وقعت كلم,,اته الأخيرة كالمياه الباردة فوق رأسي. “تخليص حق قديم؟ أراضي زمان؟”
تذكرت فجأة جفاءً قديماً كان بين أبي وعمي حسني طوال سنوات طفولتي، ولم ينتهِ إلا منذ سنوات قليلة برغبة من عمار نفسه حين تخرج وعاد للمنطقة. هل يعقل أن يكون عمار بكل شهامته ورزانته مجرد لاعب في لعبة انتقام قديمة؟ أم أن مصطفى ينسج الأكاذيب من مخيلته ليزرع الشك في طريقي من جديد؟ * **ندى (بصدمة تحاول إخفاءها):** “امشي يا مصطفى.. امشي من هنا خالص ومشوفش وشك تاني.” تحركت بسرعة وركبت أول مواصلة قابلتني، وجسدي كله يرتجف. الشك، ذلك المرض اللعين الذي دمّر حياتي مع مصطفى، عاد ليتسلل إلى قلبي مجدداً، لكن هذه المرة تجاه عمار.
### المواجهة الصامتة عدت إلى البيت، ودخلت غرفتي مباشرة. ظللت أربط الخيوط ببعضها؛ نظرات عمار الواثقة، تدخله السريع، شبكته الغالية، وكلمته بأنه “كان مستني اللحظة دي من زمان”. هل كان ينتظرها حباً، أم ينتظرها ليكسر كبرياء عائلة مصطفى التي كانت تنافس عائلتنا على أملاك قديمة في البلد؟ في المساء، جاء عمار كالعادة ليجلس مع أبي. خرجت لتقديم الشاي، وحين وضعت الكوب أمامه، نظرت في عينيه مباشرة.. لم تكن نظرتي مليئة بالانكسار هذه المرة، بل كانت مليئة بالتساؤل والترقب.
شعر عمار بوجود خطب ما. انتظر حتى دخل أبي غرفته ليحضر بعض الأوراق، ثم التفت إليّ وقال بهدوء: * **عمار:** “مالك يا ندى؟ عينيكي فيها كلام كتير، ومش من نوع الكلام اللي متعود عليه الكام يوم اللي فاتوا.” * **ندى (بصوت منخفض وحاد):** “عمار.. هو أنت دخلت البيت ده عشان تشتريني فعلاً.. ولا عشان تخلص حساب قديم مع عيلة مصطفى؟” تغيرت ملامح عمار تماماً، واختفت الابتسامة الودودة، وحلت مكانها نظرة صارمة لم أرها فيه من قبل، وقف وقال كلمة واحدة جعلتني أشعر أن القادم أسوأ بكثير..
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم