قرب منها ببطء، ويديه في جيوبه، وقال بصوت واطي ومرعب:
ـ “فاكرة إنك الضحية؟ فاكرة إن “الجمعية” والهدوم هي دي الحكاية؟ لا يا هناء.. الحكاية أبعد من كدة بكتير. أنا مخدتش مرات صاحبي عشان كانت محتاجة حد يراعيها زي ما قولتلك
من شوية، أنا خدتها عشان كنت هم,,وت عليها وهي في بيته!”
فتحت بقها من الصدمة، كأن حد ض,,ربها قلم فاجئها، وكمل هو بوجع ممزوج بوقاحة:
ـ “من عشر سنين، لما كنت بدخل بيت صاحبي، كنت بشوفها هي.. الست اللي بتعرف تضحك، اللي بتعرف تلبس، اللي كانت بتملا العين.
كنت بخرج من عنده أجيلك أنتِ، ألاقي النكد والتدبير والهم.. كنت بشوف في عينيه هو الفرحة اللي أنا محروم منها معاكي. كنت مبسوط بم,,وته عشان أخدها، ولما م,,ات، مكنتش مصدق إن الفرصة جاتلي على طبطب.”
دموع هناء نشفت من كتر الذهول، وهو كمل وهو بيبص لهدومها المتبهدلة بقرف:
ـ “الفلوس اللي أنتِ زعلانة عليها دي، كانت تمن الحلم اللي كنت بحلمه وأنا قاعد معاكي وبفكر فيها هي.. أنا كنت باخد فلوس الجمعية من هنا، وأروح أحجز لها الفنادق اللي كانت بتروحها معاه من هنا.. عشان محبش أحسسها إنها نزلت درجة لما اتجوزتني.
أنا كنت بعوض “نفسي” فيها عن كل يوم قض,يته معاكي وأنا مش شايفك.”
هناء صوتها طلع مخن,وق، يا دوب همس:
ـ “يعني أنت كنت بتخ,وني بعينك وبقلبك وأنت في بيت صاحبك؟ وبتخ,وني بفلوسي وتد,بيري وأنا في بيتك؟ أنت إيه يا أخي؟ معندكش,
دم؟”
رد بمنتهى القس,وة:
الد,م ده للي بيحب.. وأنا عمري ما حبيت الشقا ولا حبيت الست اللي تفكرني بفقري وشقايا. هي كانت “البرس,تيج”، كانت الحاجة اللي, تخليني أحس إني راجل بجد. حتى الصور اللي بعتتها لك، أنا اللي كنت عارف إنها هتبعتها..
كنت عايزك تعرفي إنك كنتِ مجرد “محطة” بجمع فيها قرشين عشان أوصل للمكان اللي كان نفسي فيه.”
هنا هناء حست بجد إن قلبها اتكسر ميت, حتة، الوجع مكنش في الفلوس ولا في الجوازة التانية، الوجع كان في إنها عاشت عشر سنين بتبني في وهم، بتخدم راجل كان بيشوفها “خزنة” بيحوش فيها عشان يشتري بيها ست تانية.
بصتله بكسرة نفس تهد جبال وقالت:
ـ “أنا كنت بشح,ت الهدوم عشان تلبس أنت وتتشيك قدامها.. كنت بنام جعانة عشان ت,شبع أنت وصاحبك في قعداتكم.. وفي الآخر، طلعت أنا اللي بصرف على خيانتك؟”
هز كتفه بلامبالاة وقالها:
ـ “أدينا عرفنا الحقيقة.. اطلعي بقى واقفلي الباب وراكي، عشان “هي” زم,انها جاية،
ومش عايز “طقمك المقطع” ده يسد نفسها عن الشقة الجديدة.”
خرجت هناء وه,ي مش شايفة قدامها، الدنيا بتلف بيها، الوجع المرة دي مكنش له صوت، كان صمت رهيب.. صمت واحدة اكتشفت إن حياتها كلها كانت عبارة عن “تمثيلية” بطلها راجل ,”بارد” ومخرجها “غد,ر” ملوش نهاية.
نزلت هناء السلالم وهي مش حاسة برجلها، كانت ما,شية زي التايهة في شوارع لسه غرقانة بمطر الشتا، وصوت محمود لسه بيرن في ودنه,ا زي الكربا,ج. “كنت محطة”.. “كنتِ بت,صرفي على حلمي فيها”..
الكلام ك,ان أصعب من غرس السكاكين في قل,بها.,
فجأة وقفت في نص الشارع، بصت لإيدها اللي شقيت من غسيل المواعين وخدمته، وبصت لجزم,تها اللي المية دخلت فيها من كتر ما هي دايبة. ضحكت بهستيريا، ضحكة خلت الناس تبص لها باستغراب. كانت بتضحك على نفسها، عل,ى “هناء الهبلة” اللي كانت بتفرح لما يوفر لها ميكروباص عشان يم,شي هو بعربية صاحبه، اللي كانت بتستخسر في نفسها اللقمة
عشان يرميها هو “تحت رجلين” واحدة تانية.
طلعت موبايلها القدي,م اللي شاشته مكسورة، الموبايل اللي كان بيذلها بيه كل ما تطلب يغيره، وفتحت الرسائل اللي مبعوتة لها من “مرات صاحب,ه”. بصت في الصور تاني، بس المرة دي مش بوجع، بصت بتركيز.. شافت الساعة اللي في إيد محمود، وشافت الس,لسلة الدهب اللي في رقبة الست.
“دي فلوسي يا محمود.. دي شقا عمري اللي كنت بتلمه قرش على قرش.”
مسحت دموعها بعن,,ف، والكسرة اللي كانت في عينيها اتحولت لشرارة غض,,ب مكتوم. هي دلوقتِ معندهاش حاجة تخسرها، هي خسرت البيت والزوج والصديقة وحتى الهدوم اللي عليها مش ملكها.
رجعت لبيت أهلها، دخلت قع,دت ف,ي ركن ضلمة، لا اتكلمت ولا عيطت. أخوها دخل عليها وسألها:
ـ “مالك يا هناء؟ في إيه؟ فين شنطك؟”
ردت بصوت, غريب، صوت ميت ملوش ملامح:
ـ “محمود اتجوز يا “سيد”.. اتجوز بفلوس الجمعية اللي أنت وأمي كنتوا بتساعدوني فيها. اتجوز الست اللي
كان بيتمناها وأنا بخدمه.”
سيد اتعصب وقام، بس هي مسكت إيده وقالت له ببرود أر,عب أخوها نفسه,:
ـ “اقعد يا سيد.. الحق مش بييجي بالدراع مع اللي زي محمود. محمود فاكر إنه كسب، فاكر إن هناء م,,اتت..
بس هو نسى إن “المحطة” الل, كان بيجمع فيها فلوسه، هي اللي معاها مفاتيح كل الدفاتر القديمة.”
فتحت شنطتها وطلعت “أجندة” ,صغيرة كانت,دايماً بتكتب فيها حسابات البيت والديون والجمعيات، ,وكان فيها حاجة هو نسيها في غمرة “نشو,ته” بالست الجديدة.. إيصالات أمانة كان محمود ممضيها لها “صو,ري” زمان ,عشان يطمنها على ورثها من أبو,ها اللي خد,ه منها عشان يفتح بيه مشروعه الفاشل.
بصت لأخوها وقالت له:
ـ “محمود مش بس خانني، محمود س,,رقني عيني عينك.. والست اللي فرحان بيها دي، أول ما تلاقي الحنفية اتقفلت، هي أول واحدة هتدوس عليه. أنا مش عايزة هدو,م جديدة يا سيد..
أنا, عايزة حقي، وعايزة أش,وفه وهو بيش,حت الهدوم اللي كان
بيعاي,رني بيها.”