منوعات

مكنتش متخيله أن في يوم

ما كنتش متخيلة في يوم إن النهاية هتكون كده… جوزي… اللي شاركته كل حاجة… يوصل بيه القسوة إنه يسيبني بمـ,ـوت بالبطيء، وكأنّي ولا حاجة. أنا مريم طارق… مهندسة معمارية، وعندي اسم في شغلي… على الأقل كنت فاكرة كده. أنا وكريم بدأنا من الصفر… حلم صغير، مكتب تصميم، وطموح أكبر مننا بكتير. أنا كنت العقل اللي بيبدع… وهو الواجهة اللي بتبيع. نجحنا… كبرنا… مشاريعنا بقت في التجمع، والشيخ زايد، والمعادي… واسمي اتكتب في مجلات. بس مع الوقت… اسمي بدأ يختفي.

وكريم بقى يظهر لوحده. في الأول كنت بقول عادي… يمكن ضغط شغل. بس بعد كده بقيت أسمع كلام غريب: “مريم شاطرة آه… بس مش بتاعة تعامل مع عملاء.” وسكت. لحد الأسبوع اللي فات… كنت في الجونة في مـ,ـؤتمر مهم… وكل حاجة كانت ماشية مثالية. لدرجة إني قررت أرجع بدري يوم… أعمله مفاجأة في عيد جوازنا. طول الطريق وأنا برسم في خيالي رد فعله… بس أول ما فتحت باب البيت… حسّيت إن في حاجة غـ,ـلط. ريحة غريبة… مش بتاعة البيت.

كعب ست مرمي في الصالة. وبلوزة على السلم. وقتها… قلبي سبق عقلي. طلعت بهدوء… لحد ما وصلت لأوضة نومي. وقبل ما أفتح… سمعت صوت ضحكة… ست. —طب ولو مريم رجعت؟ الصوت ده… كنت حافظاه. دينا. أقرب واحدة ليا… اللي كنت بعتبرها أختي. —هي في الجونة —رد كريم ببرود— وبعدين حتى لو رجعت… هتعمل إيه؟ هتسكت. في اللحظة دي… كل حاجة جوايا اتكـ,ـسرت. فتحت الباب مرة واحدة… والصورة اللي شفتها… عمري ما هقدر أنساها. الاتنين على سريري.

دينا بصتلي… وابتسمت. مش خوفانة… ولا مكسوفة… بالعكس، كأنها كسبت. أنا ما فكرتش… إيدي اتحركت لوحدها… وضـ,ـربتها. صوت القلم كان عالي… بس اللي جه بعده… كان أسوأ. كريم قام زي المجـ,ـنون… وقبل ما أتكلم، رجله دخلت في جنبي بقـ,ـوة. وقعت. النَفَس اختفى… حسّيت كأن صدري اتفتح من جوه… وكل محاولة إني أتنفس كانت بتوجع أكتر. —ما تعمليش دراما —قالها وهو بيلبس— قومي. ما قدرتش. بس هو ما استناش… مسكني من دراعي، وجرّني على الأرض كأني كيس مهمل.

وصل لباب البدروم… فتحه، وزقّني جوه. وقعت على الأرض الإسمنت… ساقعة وقاسية. صرخت… بس صوتي كان ضعيف. —تفضل كده لحد ما تتربي. الباب اتقفل… والضلمة بلعتني. مش عارفة قعدت قد إيه… الألم كان بيزيد… والنَفَس بيقل… وجـ,ـسمي كله بيرتعش. بس وسط كل ده… افتكرت حاجة. موبايلي. كان لسه في جيبي. بإيدي اللي مش قادرة تتحرك… طلّعته… وفتحت رقم… ما استخدمتوش من سنين طويلة. ضغطت اتصال. —ألو؟ صوته أول ما سمعته… حسّيت إني ممكن أعيش. قلت بصوت متـ,ـكسر:

= أنا مريم… سكت لحظة… وبعدين صوته اتغيّر تمامًا: —إنتي فين؟ عيطت وأنا بقول: = كريم ضـ,ـربني… وحابسني تحت… ما كملتش. بعد دقايق… صوت عنيف… كأن باب بيتخلع. ونور دخل فجأة في الضلمة… وأنا ساعتها… عرفت إن النهاية دي… مش زي ما هو كان فاكر. بس السؤال بقى… أنا اتصلت بمين؟ 😶 النور دخل فجأة على عيني… وأنا شبه فاقدة الوعي. آخر حاجة شفتها… ظل طويل واقف عند باب البدروم… وصوت خطوات تقيلة بتنزل بسرعة.

—مريم! الصوت ده… عمري ما أنساه. = بابا… ما لحقتش أقولها كاملة… الدنيا اسودّت تاني. — فوقت وأنا في المستشفى… ريحة مطهرات… وأجهزة حواليا… وصوت منتظم بيقيس نبضي. حاولت أتحرك… ألم رهيب ضـ,ـرب صدري. —إهدي… متتحركيش. لفّيت وشي بصـ,ـعوبة… لقيت بابا قاعد جنبي. بس مش بابا اللي أنا فاكرة… الراجل الهادي الطيب… اخـ,ـتفى. اللي قدامي… عينه مليانة نـ,ـار. —مين اللي عمل فيكي كده؟ دمـ,ـوعي نزلت لوحدها: = كريم… سكت شوية… وبعدين قال بهدوء مرعـ,ـب: —خلاص.

كلمة واحدة… بس حسّيت منها إن في حد خلاص اتحكم عليه. — عدّى يومين… وعرفت كل حاجة. بابا ما كانش مجرد راجل عادي زي ما أنا كنت فاكرة طول عمري. بعد ما أمي ماتت… ساب شغله القديم… واشتغل في شغل أنا ما كنتش فاهمة تفاصيله… بس اللي اكتشفته… إنه كان صاحب نفوذ كبير… وعنده عـ,ـلاقات تخلي أي حد يختفي من غير صوت. في الليلة دي… هو اللي اقتحم البيت. هو اللي كسر باب البدروم. وهو اللي واجه كريم.

— (من اللي اتحكالي بعد كده) كريم كان واقف متجمد… مش مستوعب إزاي حد دخل بيته كده. —فين بنتي؟ صوت بابا كان كفاية يخليه يترعش. حاول يتكلم… يبرر… بس بابا ما سمعش. ضـ,ـربة واحدة… وقعته على الأرض. ودينا؟ كانت واقفة بتعـ,ـيط… بتحاول تلبس بسرعة… وبتترجى تمشي. بابا بص لها… وقال كلمة واحدة: —اطلعي بره. وما بصّش وراها تاني. لكن كريم… كان له حساب تاني. — رجعت البيت بعد أسبوعين… بس ما كانش نفس البيت. الهدوء تقيل… وكأن كل حاجة فيه بتفكرني باللي حصل.

سألت بابا: = كريم فين؟ بصلي… وقال بهدوء: —اختفى. = يعني إيه اختفى؟ —يعني مش هتشوفيه تاني. قلبي دق بسرعة… مش خوف عليه… بس رهبة من اللي بابا ممكن يعمله. = وإنت عملت فيه إيه؟ سكت لحظة… وبعدين قال: —خليته يعيش. استغربت. —بس مش بنفس الحياة اللي كان عايشها. — بعدها بكام يوم… عرفت الحقيقة. كريم اتحبس… بس مش رسمي. كل أملاكه اتسحبت منه… الشركة بقت باسمي بالكامل. كل اللي كان بيحاول ياخده… رجعلي. أما هو… فبقى شغال عند واحد من الناس اللي بابا يعرفهم… شغلانة بسيطة… تحت عينهم… طول الوقت.

كل يوم يفكر في اللي عمله… ومش قادر يهرب. أما دينا… اختفت من حياتي للأبد. ولا حتى حاولت تعتذر. — وقفت قدام المراية بعد شهور… في آثار خفيفة لسه موجودة… بس عيني… بقت مختلفة. أقوى. فهمت حاجة واحدة بس… مش كل نهاية ضعف… بتفضل ضعف. في نهايات… بتخلق منك شخص تاني خالص. وأنا… اتولدت من جديد. بس المرة دي… مستحيل أسمح لحد يكسرني تاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى